الانتصار العظيم (بمناسبة الذكرى الـ75 للانتصار على الفاشية)

نجم الدين الخريط (الأمين العام للحزب الشيوعي السوري الموحد):

في التاسع من أيار هذا العام، يكون قد مضى خمسة وسبعون عاماً على استسلام ألمانيا النازية أمام الجيش السوفييتي وجيوش الحلفاء. خمسة وسبعون عاماً على دحر الحلف النازي الفاشي في الحرب العالمية الثانية، التي كانت أعظم الحروب التي عرفتها الإنسانية، وهي التي شمل تأثيرها مجالات الحياة الاجتماعية كافة بشكل لم يسبق له مثيل. وقد توقف مستقبل الشعوب والبلاد على نتائج هذه الحرب، لهذا تكتسب قضية الانتصار على الفاشية أهمية تاريخية عالمية، تخطّت حدود زمنها، فعلى الجبهة السوفييتية_ الألمانية، لم تكن المجابهة بين جيشين فحسب، بل وبين نظامين اجتماعيين متناحرين، وكان الجيش السوفييتي والشعب السوفييتي والنظام الاشتراكي هو القوة الحاسمة التي وجهت الضربة القاضية للفاشية، وحققت الانتصار الحاسم على النازي الهتلرية.. هذا الانتصار الذي جاء ملبياً لتطلعات الإنسانية التقدمية، ومنسجماً مع مصالح الشعوب، في التحرر والديمقراطية والاشتراكية، ففتح الطريق أمام سلسلة كاملة من الثورات الشعبية، التي أسقطت النظام الرأسمالي في إحدى عشرة دولة أوربية وآسيوية، وزعزع أركان الرأسمالية في أوربا، مما زاد من قوة وفاعلية الطبقة العاملة، الأوربية، ودعم وقوّى حركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وأدى إلى استقلال أكثر من ثمانين دولة في العالم.

لقد دفع الشعب السوفييتي ثمناً باهظاً في هذه الحرب، فقد استشهد منه أكثر من عشرين مليون إنسان، وخلفت هذه الحرب ملايين الجرحى والمعوقين والأرامل والأيتام، الذين مازال قسمٌ منهم على قيد الحياة، يتذكر تلك الأيام السوداء، فضلاً عن دمار المدن والقرى والمعامل والمصانع والجامعات والمشافي.

وبكلمة، لقد دفع الدمار الهائل الذي أحدثته هذه الحرب مسيرة البناء الاقتصادي سنوات إلى الوراء، رغم كل ذلك سطّر الشعب السوفييتي بقيادة حزبه الشيوعي ملاحم من البطولات العظمى فاقت كل التصورات.

لقد برهنت الأحزاب الشيوعية في العالم، ومنها حزبنا الشيوعي السوري، على أنها من أكثر المناضلين تفانياً وثباتاً في المعركة ضد الفاشيين، وبرزت الحركة الشيوعية العالمية كقوة متراصة تحمل، إلى الشعوب كلها، آفاق التخلص من الاستغلال والاضطهاد والاستعمار، تحمل آفاق السلم والأمان والتقدم والازدهار.

أدرك الشيوعيون السوريون بوقت مبكر، وقبل نشوب الحرب العالمية الثانية، خطورة الفاشية، فوقفوا منذ البداية ضدها بحزم وثبات (إن الحزب الشيوعي كان أول من رفع صوته ضد خطر الفاشية الداهم، فهو يقول في بيان له نشرته جريدة (الأومانيتيه) بتاريخ 11/8/1936 (من الضروري حظر نشاطات الفاشية في سورية ولبنان)، بل أكثر من ذلك شارك بعض أعضاء الحزب في المعارك ضد الفاشية (في عام 1936 اشتعلت نار الحرب الأهلية في إسبانيا، وكان خالد بكداش وفرج الله الحلو وغيرهما من أعضاء الحزب في عداد الفيلق الأممي المقاتل ضد الفاشية) (نيفيوديفا- على المبدأ- ترجمة زياد الملا عام 1992 ص85).

بالعودة إلى أي مرجع تاريخي، موضوعي، يؤرخ تلك المرحلة، نجد الكثير من الصفحات المشرفة التي تؤكد أن الحزب الشيوعي السوري هو أول من وقف ضد الفاشية، ودعا إلى تنظيم المظاهرات ضدها.. وبمبادرة منه تم تشكيل (عصبة مكافحة الفاشية والنازية) في عام 1939، وفي عام 1934 أصدر مجلة (الطليعة)، وفي عام 1941 أصدر مجلة (الطريق)، المعاديتين للفاشية والنازية، ونظم المهرجانات وعقد المؤتمرات المناهضة للفاشية والنازية في كل من بيروت ودمشق وحلب وحمص وغيرها من المدن السورية (في نيسان 1939 قامت مظاهرات معادية للفاشية في جميع أنحاء المدن السورية واللبنانية، نظمها الحزب الشيوعي وشارك في مظاهرة بيروت 15 ألف شخص، وفي مظاهرة دمشق 30 ألف شخص (نيفيوديفا على المبدأ- ترجمة زياد الملا- عام 1992 ص88).

لقد قدم الحزب نموذجاً وطنياً عاماً للنضال ضد خطر الفاشية، ودعا إلى توحيد سائر القوى الوطنية في إطار جبهة وطنية موحدة، ومن أجل الوقوف في وجه الخطر الفاشي في الشرق الأوسط، وأكد ضرورة توطيد أواصر الصداقة والتضامن مع جميع الشعوب العربية والتحالف مع الشعوب الديمقراطية وقوى السلم.

لقد استند الحزب في موقفه من الفاشية، وبالتالي من الحرب العالمية الثانية، على ثلاث ركائز أساسية، هي الوطنية والطبقية والأممية، لقناعته الكاملة بأن هذه الركائز الثلاث هي التي تقدم التفسير الصحيح، والحل الصحيح لكل مسألة.

ومن دونها (لا يمكن تفسير أي شيء تفسيراً كاملاً، ولا وضع سياسة صحيحة على أسس متينة، وضع سياسة لها مستقبل) (وثائق المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي السوري- حزيران 1969 ص9).

انطلاقاً من هذه النظرة التي هي (طبقية ووطنية وعربية وأممية في وقت واحد)، (المصدر السابق)، رأى الحزب أن:

1- النازية هي أفظع شكل من أشكال الرأسمال المالي، وهي أكثر أشكال الإمبريالية رجعية ووحشية.

2- إن انتصار الاتحاد السوفييتي على النازية، هو انتصار حليف قوي لحركة التحرر الوطني، وصديق وفيّ مخلص لشعبنا.

3- إن هذا الانتصار سيفتح أمام البشرية جمعاء مرحلة جديدة، هي مرحلة بدء انهيار النظام الرأسمالي الإمبريالي، وهذا ما أثبتته وقائع التاريخ عبر خمسة وسبعين عاماً.

واليوم، والعالم يعيش في ظل جائحة فيروس كورونا من جهة، وازدياد أزمة النظام الرأسمالي من جهة أخرى، وبكل ما ينتج عنهما من تعاظم الصعوبات والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية في جميع دول العالم، وتعاظم ما يهدد البشرية من وجود ترسانات نووية، وأسلحة فتاكة متطورة (ذكية وغبية)، وارتفاع حدة الخلافات السياسية والدبلوماسية بين الدول الكبرى، وتبادل التهم فيما بينها، من جهة أخرى، كل هذا يجعلنا نتوقع كل شيء بما فيه إمكانية نشوب حرب عالمية.. فليس من المستبعد أن يرتكب زعماء الولايات المتحدة حماقة كبرى، تنسف حالة السلم العالمي الحالية، وتؤدي إلى وقوع حرب عالمية.. إن هذا الخطر قائم، وقد بدأ العديد من المحللين السياسيين، يشيرون إلى جدية هذا الخطر، لاعتقادهم أن زعيم الولايات المتحدة ترامب، هذا المهرج، يمكن أن يرتكب مثل هذه الحماقة، وخاصة أنه يترأس الآن دولة، وصل فيها التأثير السياسي لرأس المال المالي إلى ذروته، وقد سبق لأشهر رئيس أمريكي إيزنهاور أن نبّه من هذا، وحذر من وصول مجموعة صناعية عسكرية مالية إلى موقع التأثير على القرار الأمريكي، ورأى فيه خطراً شديداً على المجتمع الأمريكي قبل أن يكون خطراً على غيره. وإن الذي يحكم أمريكا الآن هو رأس المال المالي، الذي يسخر كل شيء بما فيه الجيش لحماية مصالحه الاستعمارية، يسخر ويستخدم كل شيء لتوسيع هيمنته على الشعوب، وهذا يشكل الآن خطراً جدياً.

من هنا نقول إن العالم أصبح اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى تشكيل جبهة واسعة عريضة لمناهضة الإمبريالية الأمريكية للجم حماقات زعمائها، لأن الحرب العالمية إذا وقعت ستقضي على كل شيء، على البشر والحجر والشجر، على الإنسان والحضارة والطبيعة. فلنحشد جميع القوى الوطنية والتقدمية، وجميع أحرار وشرفاء العالم لردع مشعليها ومنع وقوعها.

وبهذه المناسبة العظيمة، 75 عاماً على الانتصار على النازية والفاشية، نتقدم من الشعب الروسي الصديق الوفي، ومن شعوب الاتحاد السوفييتي السابق، ومن جميع شعوب العالم، المحبة للسلام والصداقة، بأطيب التهاني، ونؤكد ثبات حزبنا على هذا الإرث النضالي المشرف، الذي تركه رفاقنا الأوائل، في التصدي لجميع أنواع الاستعمار والاستغلال والعنصرية والإمبريالية والصهيونية والرجعية.

إن حزبنا الشيوعي السوري الموحد، مستمر مع بقية الأحزاب والقوى الوطنية المخلصة، في النضال من أجل عالم بلا حروب، بلا اضطهاد وبلا مآسٍ وويلات، عالم يسوده السلام، وتربطه علاقات الصداقة والتعاون والمحبة بين الشعوب.

العدد 912 - 20/5/2020