إلى محبّي الهجين

د.أحمد ديركي:

بدأت الشركات الكبرى في عالم السيارات بالتحول التدريجي من إنتاج سيارات تسير فقط بالوقود الأحفوري، إلى سيارات تسير بالطاقة الكهربائية بجانب الوقود الأحفوري، ويطلق على هذا النوع من السيارات (الحديثة الإنتاج) تسمية (هجين hybrid). والبحوث ما زالت قيد التجربة والتطوير لإنتاج سيارات تعمل فقط على الطاقة الكهربائية. أي بمعنى آخر الانتقال من محركات (الاحتراق الداخلي) إلى محركات كهربائية لا يوجد فيها احتراق لإنتاج طاقة حركية.

لم تأتِ محاولة الانتقال من محركات (احتراق داخلي) إلى (محركات كهربائية) من عبث أو فراغ، بل تعددت أسباب البحث عن إيجاد بديل لمحركات (الاحتراق الداخلي) ويمكن تصنيف الأسباب إلى مجموعتين كبيرتين يتفرع عنهما ما لا يُعد ولا يحصى من الأسباب الفرعية.

 السبب الأول: ما تسببه محركات (الاحتراق الداخلي) من مساهمة كبيرة في الاحتباس حراري (global warming)، وهو يسبب كوارث بيئية تطول كوكب الأرض برمته، مهددة بانقراض الجنس البشري.

 والسبب الثاني: الوقود الأحفوري كمادة خام غير متجددة وإن كانت طبيعية. أي لا يمكن تجديد ما يستهلك منها، فكل قطرة تستهلك منها لا يمكن تعويضها إلا بعد آلاف، أو ربما ملايين السنين وبظروف طبيعية مناسبة لإعادة تعويض القطرة المستهلكة منها. بعد (النهم) بالاستهلاك، يبدو أن المخزون العالمي للنفط وصل إلى (ذروتهpeak ). و(الذروة) تعني، في عالم النفط، أن بئر النفط قد استخرج منه نصف مخزونه، فينخفض مستوى الاستخراج منه لأسباب تقنية، واقتصادية بحتة. وحتى تاريخه ما زال الوقود الأحفوري يمثل عصب الاقتصاد العالي، ويسمى الذهب الأسود، لعدم وجود بديل (حقيقي) عنه لإنتاج الطاقة. عدم وجود (البديل) لا يتعلق فقط بالظروف الطبيعية، بل يتعلق بأسباب اقتصادية وسياسية أيضاً.

من هنا لجأت المصانع الكبرى لإنتاج السيارات باتباع سياسة محاولة إيجاد (بديل) لمحركات (الاحتراق الداخلي) فأدخلت عنصر (الكهرباء). وعلى اعتبار أن (قطاع النقل) في العالم واحد من أكبر القطاعات المستهلكة للنفط ينخفض عبر البديل (المحرك الكهربائي) الطلب على (الذهب الأسود) ويحول ما تبقى منه إلى قطاعات إنتاجية أخرى فتزيد الفترة الزمنية المتبقية لنضوبه، وتعطى الدراسات حول البديل وقتاً إضافياً لإيجاد (البديل).

فالسيارة الهجينة (hybrid car) لم تولد من فراغ أو عبثية الوجود أو مجرد نزوة أو موضة أو رفاهية… بل هي نتاج تشابك عوامل اقتصادية مع عوامل سياسية لتشكيل وعي اجتماعي يتوافق مع هذا التشابك بين البنيتين، السياسية والاقتصادية. ويتوضح هذا من خلال اتباع بعض الدول إعفاء أصحاب سيارات (الهجين) من الضرائب، لتشجيع بقية المقيمين على أرضها لشراء هذا النوع من السيارات. ومن المتعارف عليه في عالم الاقتصاد أن زيادة الاستهلاك تخفض من سعر السلعة ما دامت متوفرة، ولو بشكل أولي. فتحقق شركات السيارات المزيد من الأرباح، ويذهب جزء من هذه الأرباح إلى الاستثمار في الأبحاث لتطوير السيارة (الهجين) لحين الوصول إلى سيارة تعمل على الكهرباء فقط. فقرار الإعفاء من الضرائب قرار سياسي، وتحقيق المزيد من الأرباح، والاستمرار في الإنتاج، قرار اقتصادي. فيتشكل الوعي الاجتماعي باتجاه الزيادة في مستويات استهلاك السيارة (الهجينة) بدلاً عن سيارة محرك (الاحتراق الداخلي) من أجل (إنقاذ) البيئة.

لن نخوض هنا في تفكيك هذا الوعي، بل لنفكر في مسألة (الهجين) المطروح ليس في عالم صناعة السيارات فقط، بل مطروح في أكثر من مكان وعلى أكثر من صعيد وفي أكثر من قطاع!

يا محبي (الهجين)!

قبل طرح (الهجين) علينا كحل لمشاكلنا على كل الأصعدة نرجو من حضرتكم أن تحددوا لنا أولاً ما طبيعة محرك سيارتنا، التي نستهلكها ولا ننتجها، ومن ثم نذهب لنقاش مسألة (الهجين) أيضاً الذي تريدون منا استهلاكه لا إنتاجه!

العدد 912 - 20/5/2020