الشعر شغف الإنسانية وبوصلة العالم

عباس حيروقة:

يحتفل العالم كل العالم في الحادي والعشرين من شهر آذار (مارس) بأعياد ثلاثة، أولها عيد الأم، وثانيها عيد الربيع أو ما يسمى عيد (النيروز)، وثالث هذه الأعياد وموضوع مادتنا هذه هو عيد الشعر أو اليوم العالمي للشعر.

تحدثنا في غير مرّة عن الشعر ودوره ووظائفه وتعاريفه، وتحدث كثيرون عن عناصره وخصائصه ومكوناته وأنواعه.

ولأن الشعر متجذر وأساس في الثقافة الإنسانية وحضارتها، وهو الشاهد الحي والحيوي على تنامي الذهنية والبنى المعرفية لدى الإنسان والتأسيس لمنظومة معارف وقيم جمالية أخلاقية انعكست بهاء وألقاً على سعيه للوصول إلى صورة من صور الكمال.

ولأن الشعر كل هذا وأكثر، اشتغل أهم شعراء العالم وبدعم ومباركة من عشرات المنظمات الثقافية على تحديد هذا اليوم للاحتفاء بالشعر العظيم، وليس هذا الاحتفاء إلا انتصاراً للقيم وللروح الإنسانية المفطورة على الجمال والخير والمحبة.

من هنا لابد من ذكر جذور إعلان هذا اليوم أو تسميته، ومن أين وكيف أتت الفكرة؟ ومن أتى بها ومتى و، و …الخ؟

تعود جذور الفكرة إلى عام 1997 حين أُقيم في باريس لمدة أسبوعين مهرجان (ربيع الثقافة الفلسطينية) إذ أطلق فيه ثلاثة شعراء فلسطينيين وهم (محمود درويش_ فدوى طوقان_ عز الدين المناصرة) مبادرة تخصيص يومٍ عالمي للشعر، وعرفت آنذاك بالمبادرة الفلسطينية، ورُفعت إلى مدير عام اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة) بعنوان (الشعر شغف الإنسانية_ بوصلة العالم). وفي سنة 1998 توجه بيت الشعر في المغرب، بدعم من المملكة المغربية، بطلب في الموضوع نفسه، فقامت المنظمة بإرسال هذا المبادرة إلى أكثر من ثلاثين منظمة ثقافية في العالم وبعد ذلك تبنتها، فأعلنت اليونسكو في مؤتمرها العام، من الدورة الثلاثين التي عقدت بباريس في عام 1999، إعلان يوم 21 آذار (مارس) يوماً عالمياً للشعر.

وأجمل ما في هذه الخطوة بيان التأسيس إذ جاء فيه:

الهدف الرئيسي من ذلك هو دعم التنوع اللغوي من خلال التعبير الشعري، ولإتاحة الفرصة للغات المهددة بالاندثار بأن يُستمع لها في مجتمعاتها المحلية. وعلاوة على ذلك، فإن الغرض أيضاً من هذا اليوم هو دعم الشعر، والعودة إلى التقاليد الشفوية للأمسيات الشعرية، وتعزيز تدريس الشعر، وإحياء الحوار بين الشعر والفنون الأخرى مثل المسرح والرقص والموسيقا والرسم وغيرها، كما أن الهدف منه أيضاً هو دعم دور النشر الصغيرة ورسم صورة جذابة للشعر في وسائل الإعلام، بحيث لا ينظر إلى الشعر بعد ذلك كونه شكلاً قديماً من أشكال الفن.

وبحسب بيان اليونسكو فإن للشعر الأثر الكبر في تعزيز إنسانيتنا المشتركة وبحزمه أن جميع الأفراد في أرجاء العالم كافة يتشاطرون التساؤلات والمشاعر ذاتها، ونوهت بقيمة الشعر باعتباره رمزا لإبداع العقل البشري.

ومن أجمل ما لفت إليه البيان هو حاجة العالم الكبيرة اليوم وتعطشها لبعض الاحتياجات الجمالية، ورأت أن الشعر يمكنه تلبية هذه الاحتياجات إذا اعترف بدوره الاجتماعي في مجال التواصل بين البشر، فهو يشكل أداة لإيقاظ الوعي والتعبير عنه.

ولكن في هذا العام ما الذي يمكن أن يقوله الشعر وهو يرى ما نعيشه من خوف وهلع وقلق حيال انتشار هذا الوباء المريع (كورونا) ناشراً في غير مكان جثثاً تنتظر دفنها وأجساداً منهكة ناحلة تنظر بحزن يشوبه الأمل تجاه نوافذ صبح جديد؟!

هل يمكن أن نهزم هذا الوباء بالشعر وبالفن وبالغناء، بالحب وبالتأمل كما سبق أن هزمنا ثقافة الموت وأبناء الكهوف وبقر البطون وتقطيع الأوصال بثقافة مضادة، ثقافة المحبة والحياة والجمال حين انتصارنا للشعر للتراب للماء للوطن الضالع في شمس التاريخ وجغرافية أقمار الحضارات؟

هل سنشهد اندحاراً قريباً لـ(كورونا) ونقف جميعاً نحن أبناء هذي الأرض منشدين أغاني وقصائد وأشعار السلام والمحبة والجمال والمعاني والقيم الإنسانية المشتركة، ونترك هذا الوباء محض ذكرى طافحة بالألم وبالفقد كأسلافه من أوبئة انتصرت عليها البشرية بعقولها وحيويتها وإيمانها بأحقيتها في الحياة، أوبئة غزت عالمنا وكانت أشد خطراً من (كورونا) كالكوليرا والطاعون و …الخ فأصبحت قصصاً وحكايات من التاريخ؟ هل سينقذنا الشعر، الفن، والرقص والضحك والموسيقا، ونصرخ مجدداً صرختنا المدوية تلك في وجه القبح والحرب والدمار؟

في هذا اليوم، اليوم العالمي للشعر نؤكد مدى حاجتنا وأحقيتنا نحن سكان هذي الأرض لحياة تليق بنا، لحياة بحجم شموس العالم وأقماره

لحياة تشابه حقول حنطتنا وموسيقانا

لحياة بحجم أناشيد أطفال الأرض وأعشاش عصافيرها

لحياة أقل قبحاً وبؤساً ومجازراً وحروباً وكوارث

لحياة تطفح بالجمال وبالجلال

ما أحوجنا للشعر!

وللشعر!

وللشعر!

العدد 938 - 02/12/2020