من القلب إلى القلب | ثلاثة قبور لأحبّتي.. وقبر ضائع!

عماد نداف:

 ذهبت باكراً إلى قبر أبي في القرية، كانت تربتُه طريّة لأن الدفن حصلَ قبل يومٍ واحدٍ، والمقبرة نائية تقع في الجانب الجنوبي من القرية حيث كانت تقع (البيادر)، وكانت البيادر قد أنشئت على تراب ندي مثل الحناء، ويمكن أن يقوم أي فلاح بحفر قبر بنصف ساعة!

قرأتُ الفاتحة، ثم بكيتْ. فهل يمكن أن يموت أبي والحياة في أولها، ثم كيف يمكن أن تمضي التفاصيل القادمة من دونه، وهو الذي لم يتوقف لحظة واحدة عن نصحنا، نحن الفتيان، لنكون أفضل؟!

في المرة الثانية، زرت قبر أمي بعد سنة كاملة من وفاتها، لأكتشف أن تربته طرية أيضا رغم السنة التي مرّت على وفاتها، وبكيتْ، فكيف مرّت السنة دون أن تكون معي، حتى وهي عاجزة، تكاسر وجع السرطان بأنين مكتوم يشبه أنين قطة ضُربت على رأسها بشاكوش!

قرأت الفاتحة على روح أمي، وكنتُ قد أصبحتُ رجلاً، واكتشفتُ أن من الطبيعي أن يحتاج الإنسان إلى أم حتى لو كان رجلاً، فقد كان صعباً أن أعيش دون أمي، وقد عشت، وفي كل مرة كنت، أشعر أن شيئاً ما مفقود في حياتي!

عندما توفي أخي (محمد)، كنا قد أصبحنا كهولاً. لم أترك القبر، رغم أن المشيّعين غادروه، وكان ينبغي أن أسبقهم لتقبّل التعازي في بيت عميّ، كان التراب مكدساً فوقه، وكأن الأمل انقطع من عودته، فوضع الحفارون دلواً من المياه فوقه، فتحول جزء من القبر إلى كتلة من الطين وبركة ماء صغيرة.

قرأتُ الفاتحة، وسمعتُ صوت ابن عمي (جمال)، الذي كان إلى جواري ينتظر: هل تصدق أن محمداً صار تحت التراب. قلتُ له: نعم مات، كانت سنة صعبة تلك التي كاسر فيها وجع سرطان المري، ولكن لا بأس ألا تذكر أنه كان ينتظر الموت دون أن يكفهرّ وجهه، ودون أن يتردد في الضحك والمزاح؟!

فقال (جمال): صحيح!

في آخر مرة، وفي تشييع أحد أقاربي لم أدخل المقبرة..

وقفت عند جدارها، كانت الأرض حول القبور قد تكلّست، ولم يعد التراب رطباً وندياً ومثلَ الحناء كما كان.

اجتاح القبورَ غطاءٌ من شوكٍ برّيّ، وسمعتهم يحذرون المشيعين من الأفاعي.

قرأتُ الفاتحة وأنا أمشي مبتعداً، وقد غطت المقبرة كل البيادر القديمة، ولم يعد ثمة متسع لقبور قادمة كثيرة، فتذكرت أخي (أسامة)، فهو بلا قبر ولا أحد قرأ الفاتحة عليه، ولا أعرف ما إذا أكلته الطيور، أم أن راعياً ما بادر إلى دفنه في عراء الحرب وتضاريس أحداثها البشعة.

بين فترة وأخرى، وعندما تمر السيارة بي قرب المقبرة، أشعر وكأن ثمة همساً يأتي منه، فأسأل نفسي: إلى أيّ حد يمكن لي أن أنام بينهم ذات يوم قادم؟

وانتابني سؤال غريب يقول:

كيف يمكن أن أموت دون أن أكون إلى جانب نفسي، وهل سيتيح لي الوقت لقراءة الفاتحة عليها؟!

خفتُ، ونزلتُ من السيارة، ووقفتُ عند حائط المقبرة، وقرأتُ الفاتحة على قبر مفترض، وأنا أفكر جدياً: جميل أن يموت الإنسان دون أن يكون له قبر!

(نشرت هذه الزاوية بالتزامن مع موقع بوابة الشرق أوسط الجديدة)

العدد 906 - 08/4/2020