ندوة في حلب عن صفقة القرن وسبل مواجهتها

ضمن الحملة التي تقوم بها حركات الحرية والتحرر في العالم ضد مشروع (ترامب_ نتنياهو) لتصفية القضية الفلسطينية، دعت يوم 12/2/2020 اللجنة المنطقية للحزب الشيوعي السوري الموحد في حلب الرفاق والأصدقاء والقوى السياسية والفصائل الفلسطينية والمهتمين بالشأن العام إلى ندوة بعنوان (صفقة القرن وسبل مواجهتها ) في المركز الثقافي العربي في حلب، وقد قدم كلمة اللجنة المنطقية الرفيق خالد الحريري أمين اللجنة جاء فيها:

منذ بدايات القرن الماضي عندما بدأت السلطنة العثمانية بالتداعي، بدأ الغرب الاستعماري ممثلاً بانكلترا وفرنسا آنذاك بالتآمر على منطقتنا العربية للسيطرة عليها وسلب ثرواتها، وبعد الحرب العالمية الأولى اتفق المنتصرون على تقاسم المنطقة وزرع جسم غريب فيها تابعاً لهم، يضمن استمرار هيمنتهم وترسيخها، وليس صدفةً تزامن سايكس بيكو مع وعد بلفور سيئ الذكر، فكانت إسرائيل ورماً سرطانياً خبيثاً في قلب المنطقة يستنزف قدراتها ويضمن ضعفها وتشتتها واستمرار هيمنة الغرب لاستعماري عليها، لذا فإن القضية الفلسطينية لا تخص الفلسطينيين فقط، بل تهم جميع شعوب المنطقة المستهدفة، ومن يدرك هذا الدور لإسرائيل، يدرك أنها لا يمكن أن تجنح إلى السلام أو القبول بالتعايش مع شعوب المنطقة حتى ولو أدعت ذلك، فهذا مخالف تماماً للدور الذي وجدت من أجله أساساً، وظهر اليمين الإسرائيلي المتطرف ليقود إسرائيل ضمن الدور الذي وجدت من أجله، أما السلام الذي كان مع مصر والأردن، فقد كرّس السيطرة الإمبريالية الأميركية على كلا البلدين، ومن هذا المنظور يمكن للسلام مع إسرائيل فقط أن يتحقق، أي ضمن الهيمنة الأميركية، وهذا ما أدركه الرئيس الراحل حافظ الأسد فرفض التوقيع على اتفاقية سلام بهذا الإطار، وقال ما معناه أننا إن لم نستطع أن نحقق سلام مشرف، فلنترك ذلك للأجيال القادمة.

لقد رفضت سورية منذ نشأتها السياسية عام 1920 رفضت الهيمنة الاستعمارية، وناضلت من أجل استقلالها، وبعد أن طردت المستعمر، دعمت الشعب الفلسطيني ومطالبه المحقة وكل المقاومين الفلسطينيين، مدركةً أن الوجود الإسرائيلي هو تهديد وجودي لها ولكل شعوب ودول المنطقة، وقد دفعت ثمن ذلك غالياً، ومع ذلك لم تستسلم ولم تركع، من هنا جاء رفض سورية لأوسلو، لقد كان الرئيس حافظ الأسد رحمه الله، مدركاً أن هذه الاتفاقية لن تضمن حقوق الشعب الفلسطيني ولن تعيد السلام للمنطقة، بل هي مرحلة في المشروع الاستعماري الصهيوني لتمكين إسرائيل وتوسعها.

لقد جاءت أوسلو في أسوأ الظروف الدولية والإقليمية والداخلية بالنسبة للشعب الفلسطيني، فمن الناحية الدولية كان تفكك الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية التي دأبت على دعم نضال الشعوب وحركاتها الوطنية التحررية، خسارة لكل حركات التحرر في العالم، وفقدت القضية الفلسطينية حليفاً مهماً كان يدعم نضال الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، من يومها بدأ زمن القطب الواحد، وانفردت أميركا بالعالم وبالأمم المتحدة ومؤسساتها تتحكم بهما وفق مصالحها ومصالح حلفاءها وعلى رأسهم الكيان الصهيوني، ومن الناحية الإقليمية كانت العراق قد خرجت عملياً من ساحة الصراع العربي الإسرائيلي بعد الحرب العبثية، 8 سنوات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية الصاعدة، والتي دمرت جزءاً هاماً من قدرات العراق العسكرية والاقتصادية، جاءت بعدها مغامرة دخول الكويت التي أكملت على القدرات الباقية وبررت إنشاء قواعد عسكرية أميركية في دول الخليج والسعودية، وعلى الصعيد الفلسطيني كانت المقاومة الفلسطينية قد خسرت الساحة اللبنانية، بعد الاجتياح الإسرائيلي عام ،82 وخرجت منظمة التحرير من لبنان، واغتال الموساد أبرز القيادات الفلسطينية، وفي مثل كل هذه الظروف الصعبة ما كان من المناسب توقيع اتفاقية مع الاحتلال، بل كان الأنسب ترك ذلك لظروف أفضل كما فعل الراحل حافظ الأسد، وجاءت القيادة الفلسطينية إلى أوسلو عارية من كل أوراقها خاصة مع خلافها مع سورية، ففرضت إسرائيل رؤيتها وشروطها.

وتأتي اليوم صفقة القرن استمراراً للسياسة الأميركية الداعمة لإسرائيل منذ عقود، والهادفة إلى تمكين دولة الاحتلال من الهيمنة ليس على فلسطين وأرضها وشعبها فقط ، بل على كل دول المنطقة التي أسموها الشرق الأوسط الجديد، بعد أن مهد ترامب لها بعدة خطوات، بدأت بالحرب على سورية، مروراً بالإعلان عن القدس عاصمة لدولة الاحتلال، إلى شرعنة الاستيطان، إلى ضم الجولان لدولة الكيان.

لكن هذه (الصفقة) السرقة تأتي اليوم في ظروف مختلفة تماماً، ففي الساحة الدولية لم تعد أميركا هي القطب الأوحد، بل يقوم الاتحاد الروسي والصين بدور مهم في ردع السياسات الأميركية التوسعية، وعلى الساحة الإقليمية فإن انتصار محور المقاومة وصموده وتماسكه ووحدة صفوفه واتساع مساحة تأثيره ونفوذه، يعتبر خطوة حاسمة في مواجهة المشروع الأميركي الصهيوني، فقد انتصر في لبنان على يد المقاومة الإسلامية اللبنانية، ويستكمل انتصاره في سورية على يد الجيش العربي السوري وحلفاؤه، وإيران رغم الحصار الجائر تستكمل قواها اللوجستية والعسكرية، وقد وجهت لطمات موجعة للجيش الأميركي، كان آخرها قصف قاعدة عين الأسد الأميركية، وبعد حماقة اغتيال القائد سليماني بات الوجود الأميركي كله مهدداً في المنطقة، أما على الساحة الفلسطينية، فقد عبر الشعب الفلسطيني البطل عن رفضه لصفق العار عبر المظاهرات المنددة، وعادت عمليات الدهس والطعن ومواجهة جيش الاحتلال بالحجارة، بالإضافة لمسيرات العودة التي لم تنقطع منذ أكثر من عام، وكل ذلك يعبر عن وعي جمعي تشكل عند الشعب الفلسطيني يرفض التطبيع والاتفاقيات المنفردة وتقديم التنازلات وينذر بانتفاضة ثالثة، بالإضافة إلى تعاظم التأييد للقضية الفلسطينية عند شعوب العالم، والذي يشهد في الكثير من مدنه مسيرات مؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة والمنددة بإسرائيل، مما اضطر سلطة الاحتلال إلى تأجيل إجراءات الضم إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية.

عملياً فإن خطة ترامب نتنياهو هي لدفن حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في دولة مستقلة كاملة السيادة على أرض فلسطين عاصمتها القدس، وإلغاء حق العودة للاجئين، وجوهرها مقايضة الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني بوعود، وعود بمشاريع زعموا أنها تبلغ 50 مليار دولار، كما أنها تقر بيهودية دولة إسرائيل، وبادعاء إسرائيل بحقها التاريخي بكل فلسطين، يقول أحد بنودها بالحرف:

(يجب الاعتراف أن دولة إسرائيل قد انسحبت بالفعل من %88 من الأراضي التي استولت عليها عام 1967 ، هذه الرؤية تنص على نقل أراضي كبيرة من دولة إسرائيل وهي الأرضي التي أكدت إسرائيل أن لها فيها شرعية قانونية ومطالبات تاريخية، والتي هي جزء من موطن الأجداد للشعب اليهودي، والتي يجب اعتبارها تنازلا هاماً) وهذا يعني ضمنياً إمكانية طرد السكان الفلسطينيين في المستقبل من الدولة اليهودية التي تقر الصفقة أنها كامل أرض فلسطين، مما يشير إلى أن الصفقة ما هي إلا مرحلة في المشروع الصهيوني الأميركي، الذي يهدف إلى استلاب كامل التراب الفلسطيني والسيطرة على كامل المنطقة.

رفضت كل الفصائل الفلسطينية صفقة العار، بما فيها فتح، وعلى الفلسطينيين خاصةً السلطة، إعادة حساباتهم والتخلي عن الأسلوب النمطي في التعامل مع قضيتهم الذي يتمثل فقط بالتأكيد على تنفيذ قرارات الأمم المتحدة التي تضرب بها أميركا وإسرائيل عرض الحائط، وعن النشاط عبر الجامعة العربية التي تدين وترفض وتشجب.

لقد علمتنا دروس التاريخ وخاصة في القضية الأعدل والأوضح والأقدم، ألا وهي القضية الفلسطينية، أن القرارات الدولية تثبت حقوقاً، لكنها لا تعيدها إلى أصحابها الشرعيين إذا لم يترافق ذلك مع نضال شعبي متصاعد ومستمر حتى انتزاع تلك الحقوق، نحن نتعامل مع كيان عنصري فاشي تدعمه كل القوى الاستعمارية وعلى رأسها مجرمة العصر الامبريالية الأميركية.

إن محرجات صفقة القرن تتطلب التغيير في المنهج ومنظور العمل السياسي، وطرح مواقف  عملية ملموسة أولها وضع برنامج نضالي واحد يوظف كل الطاقات الشعبية والرسمية الفلسطينية، ويجمع الفرقاء الفلسطينيين المختلفين.

 

ما هي سبل المواجهة

1 الإلغاء الفوري لاتفاقية أوسلو بكل بنودها، وسحب الاعتراف بإسرائيل، وإنهاء أي علاقة مع المحتل، وفك الارتباط مع الاقتصاد الصهيوني،وهذا الدور تحديداً يجب أن تلعبه السلطة الفلسطينية تنفيذا للإجماع الفلسطيني وقرارات المجلسين الوطني والمركزي.

2 تعزيز المقاومة الشعبية الفلسطينية وتصعيدها وصولاً إلى انتفاضة شعبية في كل أرض فلسطين .

3 تعزيز التلاحم والتنسيق مع محور المقاومة خاصة قلبه سورية.

4 فضح سياسي وإعلامي لأي محاولة للتطبيع مع الكيان الصهيوني من قبل الأنظمة العربية خاصة الخليجية.

5 تصعيد الموقف الدولي ضد خطة (ترامب نتنياهو) وبالأخص في المؤسسات الدولية وفي الأمم المتحدة، والضغط عليها لتنفيذ قراراتها بشأن القضية الفلسطينية.

6 إعادة الاعتبار للدور القيادي الفاعل لمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد لكل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات.

إننا نتوجه إلى جميع قوى الحرية والتحرر في العالم وعلى رأسها الأحزاب الشيوعية والعمالية بطلب الوقوف والتضامن مع الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة.

ورفع المشاركون باسم كل القوى والفعاليات الحاضرة هذه الندوة برقية إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش.

العدد 904 - 25/3/2020