هل هناك أمل؟

الصين – ووهان  – أدهم السيد:

منذ اليوم الأول على إغلاق ووهان، كنت متفائلاً. لا بل منذ اليوم الأول لمواجهتي للحياة بشكل واعي كنت متفائل، اعتمدت في سنين عمري الماضية مقولة (نحن صناع الأمل)، فعلى الرغم من صعوبات الحياة، كنا دائماً نجد متنفساً يعيد لنا الأمل. أما السر، فكان دائما النضال، وحده القتال من أجل حياة أفضل يجعلك متفائل.

كل شيء في ووهان مؤجل، الربيع مؤجل، زهر اللوز الذي اشتهرت فيه المدينة ينتظر موعداً مؤجلا مع عاشقي ألوانه، لقاء الناس في الشوارع مؤجل، الاحتفال بالأعياد مؤجل.

كل شيء مؤجل ما عدا القتال، فهو ليس مؤجلاً، لا شيء في ووهان اليوم إلا القتال، النضال، التحدي. وبذلك في كل زاوية من ووهان هناك أمل، هناك صناع الأمل.

نحن هنا نتحدى فيروس سريع الانتشار، نواجه حملة شائعات أخطر من الفيروس على صعيد الانتشار والتضليل وقتل الأمل. نحن هنا لا نخاف، إن أردتم أن تصدقوا ذلك فهذا يعني أنكم مثلنا تماماً، مناضلين من أجل الربيع، أما من يعيش في الظلام وتجذبه مقولات الموت والانهزام فقطعا لن يصدقنا.

هل رأيتم يوماً محارباً يخاف الحرب؟ والحرب أشكال، الأسهل فيها هو القتال المباشر، أما الأصعب فهو عندما يضرب عدوك الخطوط الخلفية، وخاصة عندما يتوجه مباشرة إلى من يكون دورهم بعيد عن الجبهة الأمامية. ففي الحروب الكلاسيكية، الأصعب هي الحرب النفسية والإعلامية. واليوم أنا اكتشف أيضاً أن للفيروس مؤيدون يخوضون عنه حرباً نفسية وإعلامية.

لم أتكلم في السياسة حتى الآن، كنا دائما نقول إنها معركة البشرية ضد عدوها الموحد. وأنه في هذه المعركة ليس هناك عدة خاسرين ورابحين، فالخاسر يجب أن يكون عدو البشرية أيّ الفيروس أما الرابح فهو البشرية جمعاء. ولكن كان للولايات المتحدة رأي آخر.

منذ اليوم الأول على إغلاق ووهان، بدأت الاشاعات والتهويلات، والتي واجهناها إن كانت سلبية أو إيجابية، لأن الإشاعات مضرة بكل الأحوال. ومنذ الأسبوع الأول أعلن وزير التجارة الأمريكي بشكل مباشر وصريح أن الاقتصاد الأمريكي يستفيد مما يجري في الصين. وأيضاً منذ ذلك الحين، بدأت الولايات المتحدة ضغطاً من أجل سحب رعاياها ودفع الدول الأخرى على القيام بهذا الأمر على الرغم من أنه إلى اليوم وبعد مرور 23 يوماً على إغلاق ووهان لا تزال منظمة الصحة العالمية تؤكد على أنه لا ضرورة على سحب الرعاية من ووهان. كما أنها أقفلت حدودها بشكل كامل أمام الصين، وحاولت أن تدفع كل العالم من أجل وقف العمليات التجارية مع هذا البلد بحجة الفيروس، معتقدتاً أنها بذلك تحقق نصراً حلم به أركان إدارتها طويلاً.

لم تكتفي الولايات المتحدة بذلك، بل حركة مكناتها الإعلامية والجيوش الإلكترونية بكل اللغات من أجل جعل عدو البشر هو الصينيين وليس الفيروس، وانطلقت في كل مكان حملات عنصرية تبث اشاعات لا يقبلها العقل. إلا أن الأمريكي الذي عاش على دماء باقي الأمم، لا يمتلك طريقة لاستمرار سيطرته غير بث الخوف والرعب والحرب. ومن أدواته الأكثر فعالية هي الأدوات الأيديولوجية، يوهمنا أنه منقذ البشرية، وأنه حامي الأمم، والأفلام التي تصنعها في سبيل ذلك هوليوود كثيرة جداً، فتميل شعوب العالم إلى تصديق ذلك، على الرغم من أننا نعلم تماماً أنه هو من أباد الهنود الحمر، وهو من استعبد شعوباً كاملة لبناء اقتصاده، وهو من كرس في قوانينه التمييز العنصري حتى أواخر القرن العشرين، هو من أباد فيتنام بالنابال، وهو الوحيد الذي استخدم السلاح النووي مما أدى إلى إبادة اليابانيين في هيروشيما وناكازاكي. الأمريكي يوهمنا أنه حامي الديمقراطية وناشرها، فرأينا نتائج ذلك في أفغانستان والعراق وأمريكا اللاتينية.

لطالما استخدم الأمريكي منطق رابح-خاسر، واليوم يستخدم نفس المنطق، فهو يعتقد أنه الرابح الوحيد من هذا الفيروس، بينما كل باقي البشرية التي كانت قد بدأت تخرج من سيطرته فهي تخسر اليوم وبذلك سيعيدها إلى بيت طاعته. لقد ساعدت الأفلام التي انتجها الأمريكي عن الفيروسات في بث الرعب حول العالم، ولكن من سينتصر في النهاية، الرعب والإشاعات أم النضال والحقيقة؟

يعيش في مدينة ووهان حالياً حوالي 10 ملايين إنسان، طلب منهم ليل 22/23 كانون الثاني أن يلتزموا منازلهم ولا يخرجوا إلا عند الضرورة. منذ صباح 23 كانون الثاني وحتى كتابة هذا النص مساء 14 شباط، لم يخرج أيّ إنسان من منزله إلا عند الضرورة. هل حصل هذا سابقاً في تاريخ الالتزام والتنظيم والمواجهات؟ والمفارقة أنه لم يكن هناك حاجة لاستخدام لا الجيش ولا حتى الشرطة من أجل تطبيق هذا الإجراء، طبعاً على عكس الأفلام التي تبثها أمريكا في محاولة لتوجيه وعينا.

قلت منذ الأيام الأولى أن شعب يجيد القتال والانتظام من المؤكد أنه سينتصر. وبعد كل هذا الوقت أؤكد على هذه المقولة وأضيف أن شعب محمي من الحرب النفسية ولا يتأثر بالإشاعات، شعبا يعرف كيف يحاسب وكيف يكون واحداً في أوقات الصعاب، شعب لا يوجد فيه انقسامات عرقية أو قومية أو دينية، شعب يقودوه حكام يعتبرون أن الإنسان أولاً وكل قدرات البلد هي في خدمة المواطنين. هكذا شعب يعطيني الأمل بأن يوم الاحتفال بالنصر تحت شجر الكرز في ووهان أصبح قريباً.

العدد 904 - 25/3/2020