في الذكرى 102 لثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى

الدكتور رياض شحيّد:

قد لا يختلف اثنان على أن أكبر الأحداث التاريخية خلال القرن العشرين هما حدث ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى (1917)، وحدث تعثّر الاستمرار في بناء المراحل الأكثر تطوراً من الاشتراكية وتفكّك المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفييتي (1991). لقد جعلت ثورة أكتوبر من الاشتراكية أمراً واقعاً بعد أن كانت أملاً طالماً حلمت به البشرية عبر العصور، وخلقت الظروف الموضوعية الملائمة لانتشار الفكر الاشتراكي والأحزاب الاشتراكية لتشمل المعمورة بكاملها. وبفضل إشعاع ثورة أكتوبر والمنجزات الهائلة التي حققتها في مختلف المجالات خلال فترة قصيرة نسبياً في عمر الشعوب، ازدادت شعبية الاشتراكية في العالم وأصبحت الكلمة الأكثر تردّداً على ألسنة الأصدقاء والأعداء. كما أصبحت الاشتراكية الهدف الأسمى لمئات الملايين من البشر، وكانت الأحزاب، ومنها الأحزاب البرجوازية والرجعية، تتسابق لتطلق على نفسها اسم الاشتراكية، لكسب ود وشعبية الجماهير التي دخلت الاشتراكية إلى أعماق قلوبها بفضل ثورة أكتوبر ومنجزاتها العظيمة التي لا تخفى على أحد.

نعم، لقد كانت ثورة أكتوبر قد غيّرت بشكل جذري وجه التاريخ بدءاً من عشرينيات القرن الماضي.

ومن جهة أخرى كان لتفكك الاتحاد السوفييتي وتعثر الاستمرار في بناء المراحل الأكثر تطوراً من الاشتراكية حجم الزخم نفسه الذي بعثته ثورة أكتوبر، ولكن بالاتجاه المعاكس، فقد تشتّتت قوى التقدم والاشتراكية فاسحة المجال أمام القوى الرجعية والمعادية للاشتراكية. وازدادت الإمبريالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية غطرسةً وعنفاً وشراسةً وهيمنةً على مقدرات الشعوب وإرادتها. كما ازداد الجشع والتوحش الرأسمالي، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع معدل الفقر وانتشار المجاعة في العالم. ولكن هذه الظروف الجديدة لن تقدم للرأسمالية بطاقة مرور أبدية ، فانهيار الرأسمالية لا بد منه مهما طال الزمن، ولا بد من عودة الاشتراكية إن عاجلاً أم آجلاً، ليس فقط لأن الماركسية تتنبأ بذلك ولا لأن الشعوب تتوق للعدالة والمساواة منذ فجر التاريخ، بل لأنه لا يمكن إيجاد نظام اقتصادي قادر على حل الأزمات الاقتصادية سوى النظام الاشتراكي، فالاشتراكية هي المنقذ الوحيد للاقتصاد ليلبي احتياجات الشعوب، كما أن طبيعة النظام الاشتراكي المبني على العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص تزيده قوةً وجبروتاً وتجعله محصناً عن الأزمات البنيوية مع تقدم الزمن. إن النكسة التي حلت بالنظام الاشتراكي لا تعني فشل المبادئ والمفاهيم التي تبنى عليها الاشتراكية، فالاشتراكية شيء وتطبيقها بشكل خلاق ودون أخطاء شيء آخر. أما الرأسمالية فتبقى مهددة بالأزمات، بسبب طبيعتها المبنية على تقديس الملكية الفردية وسواد مبدأ استغلال الإنسان للإنسان.

تحية لذكرى ثورة أكتوبر المجيدة، كل عام وأنتم جميعاً بألف خير وسلام.

العدد 993 - 19/01/2022