كي لا ننسى | نزار عواد ابن محافظة درعا.. شاب يجب أن تبقى ذكراه حية

محافظة درعا، هذه المنطقة، التي ظلت لأعوام طويلة من المحافظات المنسية في البلاد، والتي لم تحظَ بالاهتمام المطلوب، ولم تلقَ العناية التي كان يجب أن تلقاها، ولو لقيتها لكانت أعطت البلاد أماناً غذائياً أمّنته سابقاً على امتداد قرون طويلة، إن هذه المنطقة الجغرافية السورية الهامة قد غذت الإمبراطورية الرومانية المترامية الأطراف آنذاك على امتداد قرون، وأطلقوا عليها قديماً اسم أهراء روما، وذكرها العلماء في مدوناتهم التاريخية، وقدمت شخصيات لعبت دورها الكبير في تاريخ العالم القديم، ولكنها أيضاً ورغم كل شيء قدمت شخصيات هامة في التاريخ المعاصر لسورية لعبت أدوراً وطنية كبيرة، وكان لها مساهمة مشهودة في نضالات الشعب السوري من أجل الاستقلال الوطني، بيد أن الإنسان الكادح في هذه المحافظة يبقى الشخصية الأساسية التي قدمت الكثير وعملت بصمت على ازدهار الوطن وتقدمه الراسخ، إن الواقع الاقتصادي والاجتماعي الصعب لشرائح واسعة من جماهير هذه المحافظة، دفع الكثير من أبنائها للهجرة إلى الخارج، وخصوصاً إلى الدول المجاورة للعمل كعمال في مختلف المجالات، إلا أنه دفع أيضاً الكثير من هذه الجماهير للتفكير في الواقع المعيشي، وأسباب هذا الوضع المتردي  لقطاعات واسعة من الشعب، ولم تُستثنَ من ذلك عائلة شاب نبتت من أعماقه هذه الجماهير، وعانت مثلها من مصاعب الحياة وتحملت أعباء المعيشة القاسية التي أرهقت معظم شرائح الشعب في هذه المنطقة.

نزار عواد، ابن قرية بصير في محافظة درعا، ولد عام 1953 من عائلة شعبية، ونشأ وترعرع في هذه القرية، التي عاشت الفقر والعوز مثلها مثل الكثير من القرى الحورانية الأخرى، ولقد تعرف هذا الشاب منذ يفاعته الأولى على الواقع الصعب الذي تعانية قريته، ويعاني منها أترابه من الجيل الشاب، وقاده تفكيره الثاقب ذاك، وإحساسه العميق بآلام الآخرين، لتلمّس طريقه اللاحق، طريق الحزب الشيوعي السوري. إن رغبته العميقة في التغيير دفعته على هذا الطريق، فانتسب إلى الحزب في أوائل السبعينيات، وعمل في أوساط الشباب وأعطى كل جهده لنقل الوعي إلى أقرانه في القرية، ثم على نطاق المحافظة، نشط في اتحاد الشاب الديمقراطي، وكان أحد الكادرات الهامة في تلك المحافظة، ولقد حاز على احترام رفاقه وزملائه، من خلال تميزه بالعطاء ونكران الذات وحب المساعدة للآخرين، وكانت له مبادرات كثيرة في هذا المجال، وعلى النطاق الحزبي لم يتلكأ عن أية مهمة كلّفه بها الحزب.

يذهب فيما بعد للدراسة في رومانيا، ويتخصص في مجال الطب، ويعود إلى البلاد، مكرساً كل ما امتلكه من معارف طبية في خدمة الناس الذين انبثق منهم، كان عطاؤه كبيراً في هذا المجال، ولا يزال يتذكره كثيرون من أبناء بلدته ومعارفه. لم يفتش عن الثروة شأن كثير من الأطباء الآخرين، وكان يعتبر أن تخفيف آلام الناس يُشكل المغزى العميق لحياته. هكذا عاش هذا الشاب مثقلاً بهموم الناس ومعاناتهم، وانعكس كل ذلك على جسده المنهك، ولم يمهله المرض طويلاً، ففي 7/4/،2008 يغادر الحياة تاركاً ذكرى جميلة بين زملائه وأقرانه الذين عايشوه، ومقدماً نموذجاً للإنسان الذي ربط حياته بسعادة الشعب وتقدمه وعيشه الكريم.

يجب أن لا ننسى من وهب حياته لهذه الأهداف، ولتبقَ نموذجاً لأجيال المستقبل الذين سيناضلون من أجل الغد الأفضل.

العدد 890 - 11/12/2019