مشروع موازنة 2020 .. زيادة طفيفة في الحجم وارتفاع العجز وسكوت عن تحسين أوضاع المواطن

بشار المنيّر:

قدّمت الحكومة مؤخّراً بيانها المالي حول مشروع الموازنة العاشرة، في ظل الأزمة التي ما تزال تداعياتها تعصف بسورية، رغم اقتراب النصر النهائي على الإرهابيين وداعميهم، وهي ظروف استثنائية بجميع المقاييس، فمفاعيل هذه الأزمة، وبخاصة الحصار الاقتصادي الجائر الذي فرضه التحالف الدولي المعادي لسورية، بقيادة الإمبريالية الأمريكية، وغزو الإرهابيين الذي دمّر البشر والحجر والشجر، تركت تأثيرها السلبي، على مجمل النشاط الاقتصادي في البلاد، وتأثرت به القطاعات الإنتاجية العامة والخاصة، إذ تقدر قيمة الأضرار الناتجة عن مفاعيل هذه الأزمة حسب الخبراء الاقتصاديين بنحو 400 مليار دولار. ودخل الاقتصاد الوطني مرحلة ركود انعكست لا على المؤشرات الاقتصادية كالناتج المحلي الإجمالي، ونسب النمو، والدين العام، وحجم التجارة الخارجية، وقيمة الليرة السورية مقابل العملات العالمية الرئيسية فقط، بل على الأوضاع الاجتماعية لجماهير الشعب السوري، وخاصة الطبقة العاملة والفئات الفقيرة والمتوسطة.

جاء في بيان الحكومة المالي حول مشروع موازنة ،2020 حزمة من الأوليات التي ستتركز عليها جهود الحكومة في العام القادم، ولعل أبرز الهموم الغائبة عن هذه الأوليات هو الهمّ المعيشي الذي بات (بُعبعاً) يؤرق الفئات الفقيرة والمتوسطة، إذ سكتت الحكومة في بيانها المالي عن أولوية تحسين القدرة الشرائية للمواطنين عن طريق رفع الأجور.

بلغت اعتمادات مشروع الموازنة 4000 مليار ليرة سورية، منها 2700 مليار للعمليات الجارية، و1300 مليار للعمليات الاستثمارية. أي بزيادة قدرها 3%، عن موازنة 2019.

السمة البارزة في مشروع الموازنة هي تضخم الاعتمادات، الناتج عن تراجع قيمة الليرة السورية أمام القطع الأجنبي، إذ جرى اعتمادها استناداً إلى سعر صرف يعادل 435 ليرة سورية للدولار الواحد، وهي تعادل نحو9 مليارات دولار.

يأتي مشروع الموازنة بعد مؤشرات تشير إلى تقليص تأثير أدوات الحكومة على الأسواق، وتخفيض الدعم الحكومي. ونكرّر هنا ما نبّهنا إليه دائماً، إن خلق مناخ اقتصادي واجتماعي يغضب الجماهير الشعبية في الدول النامية المعادية للاستعمار والإمبريالية، كان هدفاً سعت إليه الولايات المتحدة منذ عقود، بهدف تقويض الأنظمة السياسية في هذه الدول، والاستعاضة عنها بأنظمة موالية، لذلك طالبنا مراراً بدعم الفئات الفقيرة والمتوسطة التي تعد الحامل الرئيسي لصمود سورية أمام غزو الإرهاب التكفيري.

تعد الموازنة العامة للدولة خطة مالية، اقتصادية، اجتماعية، لعامٍ قادم، وبهذا المعنى فهي تعبِّر عن نهج الحكومة للتأثير في الوضع الاقتصادي والاجتماعي في بلد ما، وهي أداة تستخدمها هذه الحكومة للتأثير في القطاعات الإنتاجية والخدمية، وتنفيذ سياستها الاجتماعية، وتحقيق أكبر قدر من الاستقرار، وتؤدي الموازنة في الدول الساعية إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية، دوراً رئيسياً في إعادة توزيع الدخل الوطني بين فئات المجتمع، وذلك باقتطاع نسبة من أرباح ودخول الفئات الأكثر دخلاً، وتوزيعها على مشاريع تستفيد منها جميع الفئات الاجتماعية، كمشاريع البنية الأساسية والتعليم، والإنفاق الاجتماعي على الفئات الأكثر فقراً، لكن ما عبّرت عنه وزارة المالية حول اعتماد الموازنة على الإيرادات المحلية رغم انخفاض هذه الإيرادات عن موازنة العام الماضي يثير القلق، فمادام الاقتصاد السوري مازال يعاني من الركود فالبديل هو جيوب المواطنين، وهنا يكمن تخوفنا من رفع معدلات الضرائب المباشرة وغير المباشرة، لتدارك تراجع الإيرادات العامة، وهذا ما أشارت إليه وسائل الإعلام مؤخراً حول ضريبة مبيعات السجائر، وضريبة سنوية على ترسيم السيارات، وضرائب غير مباشرة أخرى تفرض دون الرجوع إلى الهيئة التشريعية.

 

ملامح الموازنة العامة للدولة لعام 2020

بلغ الحجم الإجمالي للموازنة 4000 مليار ليرة سورية، بزيادة تبلغ 118مليار ليرة عن موازنة عام ،2019 خصص منها مبلغ 2700 مليار للإنفاق الجاري، بانخفاض بلغ 82 مليار ليرة، و1300 مليار للإنفاق الاستثماري، وبزيادة بلغت 200 مليار ليرة عن عام2019.

 

أولاً- الاعتمادات الجارية

1- بلغ إجمالي الدعم الاجتماعي حسب ما جاء في بيان الحكومة المالي نحو 1084 مليار ليرة سورية، وتم إظهار 373 مليار ليرة منها في مشروع الموازنة، وظهر هذا المبلغ رغم زيادة أسعار المشتقات النفطية التي ألهبت الأسعار، وتأثرت بها جميع القطاعات المنتجة. لقد أعلنّا سابقاً ونعلن اليوم أننا لا نؤيد رفع أسعار المشتقات النفطية والطاقة الكهربائية، إذ تتحمل الفئات الفقيرة والمتوسطة وقطاعات الإنتاج انعكاساتها على جميع السلع والخدمات.

2- خصص نحو 502 مليار ليرة كاعتماد مخصص للرواتب والأجور، بزيادة بلغت نحو 19 مليار ليرة عن موازنة العام الماضي، وبلغت فرص العمل التي ستوفرها الموازنة65474 فرصة في القطاع الإداري وهي لا تتناسب مطلقاً مع عدد طالبي فرص العمل الذي يقدر بنحو 230 ألف فرصة عمل سنوياً، وهذا ما يتطلب زيادة استثمارات الحكومة في قطاعها الصناعي والإنشائي لخلق فرص عمل جديدة. فالقطاع الخاص لا يمكنه توفير هذه الفرص، كما أنها ليست من صلب مهامه بالأصل.

3-لم يكشف مشروع الموازنة الطريقة التي يعتمد عليها في حساب مبالغ الدعم المختلفة، ففي كل موازنة يتم حساب هذه المبالغ بطريقة مختلفة، ونسأل هنا: بعد زيادة أسعار البنزين والمازوت والغاز، هل ما زالت الحكومة تدعم أسعار المشتقات النفطية؟!

 

ثانياً- الاعتمادات الاستثمارية

1- بلغت اعتمادات الإنفاق الاستثماري 1300 مليار ليرة، أعطيت الأوّلية لمشاريع الكهرباء والمياه ومشاريع الإدارة المحلية، وانخفضت اعتمادات الزراعة والنقل والصناعة التحويلية، وهو توجه لا ينسجم مع احتياجات المرحلة، كنا وما زلنا نطالب بدعم الصناعة التحويلية في القطاع العام الصناعي، بعد أن همشت مشاكل هذا القطاع في العقد الماضي، وهذا لا يتحقق دون زيادة الاستثمارات الحكومية في معامله ومصانعه وتطويرها وإنشاء صناعات جديدة.

2- انخفضت اعتمادات النقل بنحو 2 مليار ليرة سورية عن موازنة العام الماضي، وهذا لا يساعد في معالجة معاناة المواطنين السوريين في جميع المدن من أزمة التنقل والانتقال، بسبب غياب قطاع النقل الحكومي، ونتمنى أن تحول هذه الاعتمادات المخفضة إلى شراء وسائل نقل جماعية، وأن لا يخصص منها لشراء السيارات السياحية للمسؤولين والمحظوظين.

3- خصص ضمن الاعتمادات الاستثمارية مبلغ 433مليار ليرة كاعتمادات احتياطية للمشاريع الاستثمارية، ونأمل أن تصرف هذه الاعتمادات، على تكملة المشاريع الاستثمارية، وإقامة مشاريع جديدة. نحن مع تنفيذ المشاريع المحددة في الموازنة بتكلفتها الواردة فيها، والتدقيق في كل كلفة إضافية، ومتابعة مراقبة تنفيذ هذه المشاريع عن طريق تقارير التتبع الربعية، واستخدام هذا الاحتياطي لإصلاح القطاع العام الصناعي، وإنشاء مشاريع صناعية جديدة.

 

ثالثاً- الإيرادات العامة

بلغت الإيرادات المقدّرة في المشروع نحو2546 مليار ليرة سورية، بانخفاض قدره 397 مليار ليرة عن موازنة ،2019 منها 1431 ملياراً إيرادات جارية ونحو 872 ملياراً إيرادات استثمارية.

صحيح أن تراجع الإيرادات العامة الناتج عن مرحلة الركود التي يمر بها اقتصادنا الوطني يمارس تأثيره على الإنفاق الجاري والاستثماري للحكومة، ويحجم دورها في خلق فرص العمل، وزيادة الاستثمار في القطاعات الاقتصادية العامة، لكن هذا التراجع يمكن التخفيف من آثاره عن طريق تحفيز المشاريع الصغيرة، وتعديل التشريعات الضريبية وملاحقة المتهربين ضريبياً  ونسأل الحكومة هنا عن أسباب توقعاتها تراجع الإيرادات رغم التحسن النسبي في بنية الاقتصاد السوري بعد استعادة معظم الأرض السورية من الإرهابيين، وارتفاع حجم التبادل التجاري الداخلي، وتحسن النشاط الصناعي والحرفي، وظهور أغنياء جدد؟!

1-بلغت الضرائب والرسوم المباشرة  225 ملياراً، مرتفعة  من نحو 158 ملياراً في موازنة العام الماضي، وهو أمر إيجابي، ولم يظهر في المشروع قيمة الضريبة على الأرباح والريوع، ومن الطبيعي انخفاض الحصيلة الضريبية في حالة ركود الاقتصاد، لكن هناك من استغل الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها بلادنا، وراكم أرباحاً فلكية بواسطة رفع  أسعار المواد والسلع الأساسية، مما يستوجب ملاحقته ضريبياً، كذلك نرى أهمية ملاحقة المتهربين المزمنين من دفع ضرائب الأرباح والريوع والدخل المقطوع، بهدف زيادة حصيلة الضرائب المباشرة التي تعد الضريبة الأكثر عدلاً، وتخفيض الضرائب والرسوم غير المباشرة التي تُفرض على الجميع دون الأخذ بالحسبان الفوارق بين الأغنياء والفقراء، ونرى أهمية تعديل التشريعات الضريبية باتجاه زيادة معدل الضريبة المباشرة على الأرباح الحقيقية.

2 – بلغت الضرائب والرسوم غير المباشرة 467مليار ليرة سورية، بزيادة قدرها 148 مليار ليرة، وهنا نكرر ما سبق أن ذكرناه مراراً بأننا مع زيادة الضرائب المباشرة على الأرباح والريوع، وتخفيض الضرائب غير المباشرة التي يتساوى في دفعها الفقير والغني.

 

رابعاً- عجز الموازنة

كيف السبيل إلى خفض العجز في مشروع الموازنة البالغ نحو 1454 مليارات ليرة سورية؟ هل عن طريق سندات الخزينة، أم اللجوء إلى القروض، أم فرض ضرائب ورسوم جديدة تزيد من أعباء المواطنين؟

مشروع الموازنة وضع بعض الخطوات: كزيادة الفوائض الاقتصادية، وترشيد الإنفاق العام، ووقف الهدر، وتوجيه الدعم الحكومي لمستحقيه، وإجراءات أخرى، لكن هذه الخطوات غير كافية حسب اعتقادنا، لذلك نرى ضرورة وقف التكسب من الأموال العامة، ومكافحة الفساد الذي يفوِّت على خزينة الدولة مليارات، وترشيد استيراد المواد والسلع من الخارج، وعودة الدولة بقوة إلى ممارسة دورها في العملية الاقتصادية إنتاجاً وتسويقاً داخلياً وخارجياً عن طريق مؤسساتها المتخصصة التي همشت في العقد الماضي، وحل مشكلات القطاع العام الصناعي، وتسهيل إقراض الصناعيين الصغار والحرفيين وأصحاب المعامل والورش الصناعية الصغيرة في المناطق الآمنة.

 

خامساً- المشاريع الواردة في مشروع الموازنة

كما جرت العادة في كل مشروع للموازنة، تدرج الوزارات مشاريعها، لكن من يراقب..من يتابع تنفيذ هذه المشاريع؟ من يحاسب؟ وهل توجد لدى الحكومة آلية لمتابعة تنفيذ هذه المشاريع وتحديد المسؤوليات؟

1-نقترح إنشاء مصانع للعلف والسماد في أكثر من محافظة، بعد أن خضع المزارعون والمربون لتحكم التجار بأسعار السماد والعلف المستورد.

إنها ملاحظات سريعة على مشروع الموازنة العامة للدولة لعام ،2020 التي وضعت متأثرة بالظروف الناشئة في البلاد بعد أزمة عاصفة.. وحصار ظالم، وتدخّل مباشر من الحلف المعادي لسورية، وغزو إرهابي سعى إلى تهديم كل ما بنته الأيدي السورية الخيرة على مدى عقود.

ونحن على يقين بأن إنهاض اقتصادنا الوطني مرتبط أولاً بنجاح المساعي الدولية لحل الأزمة السورية سلمياً، وثانياً بالعمل على إعادة الإعمار بعد نجاح المساعي السلمية وفق خطة حكومية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة والمستدامة، بالمشاركة مع الرساميل الوطنية المنتجة، والاعتماد على الإمكانات الذاتية الكامنة في قوة وصلابة شعبنا، ومواردنا الغنية، وأيضاً على مساعدة الدول الصديقة.

 

(*) عضو جمعية العلوم الاقتصادية.

العدد 890 - 11/12/2019