أزمة اقتصادية عالمية قادمة.. إنذارٌ مبكر

ريم الحسين:

بدأت بعض التحليلات والتقارير الإخبارية الاقتصادية تُنبِئ، منذ أشهر، بحدوث أزمة مالية عالمية جديدة في أواخر عام 2020 يمكن لها أن تُلحق الدمار والخراب بالاقتصاد العالمي. وقد وردت تقارير في قنوات عالمية مثل (سكاي نيوز) و(CNBC)، ومقالات في (الغارديان) البريطانية وغيرها من القنوات والصحف العالمية، إضافة إلى العديد من المؤسسات الاقتصادية والمواقع الإلكترونية الاقتصادية المعروفة، ومعظم الاقتصاديين والمحللين يجزمون بحدوث هذه الأزمة، ويتركز خلافهم فقط على التوقيت.

مؤشرات الأزمات المالية عادة تبدأ من الانكماش والركود، الذي ينطوي مفهومه العلمي بشكل مبسط على انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي لربعين متتالين نتيجة ضعف عام في الأسواق، سببه الخوف، إذ يعكف المستهلكون عن الشراء ويبدؤون بالادخار، وسينعكس ذلك على الشركات وكمية الإنتاج، نتيجة انخفاض الطلب، وانخفاض كمية الإنتاج سيؤثر على المورد والربح، ومن ثمّ يجري الاستغناء عن عدد كبير من الموظفين والعمال، ويدخل الاقتصاد في دوامة من انخفاض الاستهلاك والإنفاق بشكل كبير، إلى الإنتاج، ما يؤدي إلى خسارة للشركات، إلى تسريح الموظفين وتقليل العمالة مما يعني نتائج سلبية جداً على الاقتصاد.

أما بشكل موسع قليلاً لمفهوم الركود وتأثيره بشكل كبير على مختلف القطاعات في الدولة، فيبدأ بأن هؤلاء العمال الذين تم تسريحهم ستؤثر عطالتهم من عدة نواحٍ، فمثلاً في قطاع البنوك وبما أن الغالبية  لديها قروض من البنوك سواء شخصية أو لشراء سيارة أو منزل فلن تتمكن هذه الفئات من سداد ديونها، ونحن نفترض الموظفين غالبية المجتمعات إضافة إلى التجار، والشركات وتمويلاتها أيضاً من هذه البنوك ستتعثر في السداد لعدم القدرة على الإنتاج أيضاً، فمثلاً في حالة رهونات المنازل سيتم بيعها بعد فترة نتيجة عدم تمكن أصحابها من السداد، وسيكون العدد كبيراً ولا يوجد طلب، فيقلّ سعر هذه المنازل بشكل كبير، وهذا سيؤثر على قطاع العقارات ويعني خسائر أكبر له، وسيتوقف البناء مما سيؤثر على مصانع الأسمنت والحديد وما إلى ذلك من المستلزمات، وهكذا كل قطاع يضرب قطاعاً آخر مع قياس هذا الركود على كل القطاعات كأحجار الدومينو مما يؤدي إلى شلل في اقتصاد الدولة.

فما علاقة الركود بتأكيد الاقتصاديين حدوث أزمة؟ فقد يمر الاقتصاد بضعف عام في أي دولة، فعلى أي أسس يستندون في توقعاتهم؟

النظام الاقتصادي مبني على أسس ثابتة، منها مفهوم الدورات الاقتصادية، فبعد سنوات الازدهار يحدث هبوط وضعف أو انهيار، الدورة تأخذ في المتوسط 10 سنوات منذ اتفاقية بريتون وودز بعد الحرب العالمية الثانية حين وضع النظام المالي العالمي الذي يطبق حتى تاريخ اليوم، وتلعب الحروب دوراً كبيراً في هذه الدورات أيضاً والتاريخ يدل على ذلك، ففي عام 2008 حدثت أزمة الرهون العقارية وفي عام 1997 أزمة النمور الآسيوية مترابطة في الفترة نفسها عام 1999 حين حدثت فقاعة (الدوت كوم) وانهيار الشركات التكنولوجية، وفي عام 1990 أزمة الادخار والقروض في أمريكا وتأثير حرب الخليج، وفي عام 1980 حدثت أزمة ارتفاع أسعار النفط بسبب الثورة الإيرانية، وفي عام 1973 أزمة النفط  أيضاً بسبب حرب تشرين، وحدث ركود نتيجة قطع الإمدادات عن الغرب. وفي عام 1969 أزمة نيكسون وفي عام 1960 حصل ركود نتيجة حرب أمريكا على فيتنام، وهذا ما يدعو بعض الاقتصاديين للاعتقاد بقرب حدوث الأزمة المفترضة خلال عام أو عامين.

أزمات الركود عادة تستمر من سنة إلى سنة ونصف، أما إذا استمرت أكثر فهنا سيحدث كساد وهذا يعني كارثة كبيرة، لذلك يُصلح الاقتصاد نفسه بأدواته واقتصادييه قبل ذلك، ففي ذاكرته أزمة الكساد الكبير.

وبعيداً عن موضوع الدورات الاقتصادية بعض المؤشرات الأخرى لحدوث أزمة، بحسب معظم المحللين والاقتصاديين، بأن شرارة الركود الأولى سببها الخوف الذي يمكن أن يأتي من الحرب التجارية بين أقوى اقتصادين في العالم أمريكا والصين، وهذا يؤثر بشكل كبير على الاقتصاد والنمو في أمريكا والصين بشكل سلبي، إضافة إلى حروب أمريكا وتصريحاتها بخصوص عدة ملفات، منها الملف الإيراني الذي يشهد منذ فترة شدة في التصريحات والتصرفات والحوادث  لم تحصل من قبل دون هدوء كما كان يحدث سابقاً وكأن المنطقة على صفيح ساخن، فضلاً عن الحروب في المنطقة والتطورات اليومية المتسارعة، إضافة إلى منطقة اليورو التي تمر بمشاكل اقتصادية صعبة بدأت باليونان وانتشاله بصعوبة من أزمته، والآن إيطاليا بحسب المراقبين على الطريق وألمانيا واسبانيا والبرازيل التي تعاني من ضعف عام في مؤشرات اقتصادها بالأرقام، والسبب الأكبر أزمة البريكست وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، وهذه تحتاج إلى شرح طويل لتأثيراتها على الاقتصاد الأوربي والبريطاني، إضافة إلى مؤشر السندات فقد تبيّن أن الإقبال على السندات طويلة الأمد ذات العوائد الأكبر أكبر بكثير من السندات قصيرة الأمد، وهذا يعني عدم الرغبة في الاستثمار لا مصانع ولا شركات ولا أي مشروع اقتصادي، وهذا دليل خوف نتيجته عدم وجود أعمال جديدة وبالتالي عمالة أقل. وهذا ما يسمى في الاقتصاد انقلاب منحنى العائد، وقد بيّن منحنى الركود العالمي انخفاضاً كبيراً وصل إلى ما دون الصفر، كما كان يحدث قبل الركود العالمي في كل مرة لكل الدول، وقد أظهر غوغل أن نتيجة البحث عن أزمة مالية قادمة على محركه زاد كثيراً هذا العام خلال شهر آب، كما كان قبل الأزمة الأخيرة، هذه بعض المؤشرات بشكل عام.

أما المؤشرات الأهم لحدوث الأزمة فهو الزيادة الكبيرة في حجم القروض وخصوصاً القروض الخاصة على إجمالي الناتج المحلي، بحسب مؤسسة جابرييل أنفيستمينت، ذلك أن الأرقام تشير إلى أن حجم الديون الخاصة عالمياً بلغ 186.5 تريليون دولار في الربع الأول من العام الجاري، كما أن الدين العام العالمي وفقاً لمعهد التمويل الدولي بلغ مستوى قياسياً أكثر من 250 تريليون دولار مطلع هذا العام، إضافة إلى تدني أسعار  الفائدة 205% في الفيدرالي الأمريكي بحسب وكالة  بلومبيرغ، وبالتالي زيادة وتيرة الإقراض والديون، وتدهور أسعار عملات عدة كاليورو والجنيه الاسترليني وأزمات العملات الرقمية كالبتكوين، كل هذه المؤشرات تنذر بخطر حدوث انكماش في الاقتصاد عالمي وأزمة مالية قادمة قد تهز أسواق المال والأعمال وحتمية الوصول إلى نقطة الحضيض في الدورة الاقتصادية.

ومن محاسن الدول الفقيرة والنامية أنها لا تتأثر بالأزمات العالمية، لأنها أساساً لا تملك اقتصاداً فقط أشباه اقتصادات متآكلة تحكمها الفوضى والحروب والفساد دون تخطيط أو إدارة أو اقتصاد واضح المعالم وتعاني الأزمات الدخيلة على الاقتصاد العالمي بشكل دائم، فالدورات الاقتصادية في هذه الدول دائماً في نقطة الحضيض.

 

العدد 886 - 13/11/2019