الطبيعة تعاني من مرض مزمن

د. أحمد ديركي:

تشعر بالملل من الجدران المحيطة بك والأماكن المغلقة وضوضاء المدينة وضغوط العمل والعائلة وغلاء المعيشة.

أين المفر من كل هذا ولو للحظات قليلة؟ إلى الحدائق العامة.

ترحل إلى الحديقة العامة هروباً من كل هذا، فلمَ الحديقة العامة؟ إنها الطبيعة، تمثل الحديقة العامة في العالم الأسمنتي الذي نعيش فيه عودة الإنسان للاندماج بمحيطه الطبيعي، كما تُعتبر الحدائق العامة رئة المدينة. نرحل إليها بحثاً عن الاندماج بها والتنفس فيها والاستمتاع بجمال الطبيعة الذي سلبه منا العالم الأسمنتي، وإن كان الإنسان هو من بنى عالمه الأسمنتي المقيت.

تجلس في الحديقة العامة على مقعد خشبي، لا بلاستيكي ولا حديدي، لتغوص أعماقك مع الطبيعة المحيطة بك. طيور تلتقط غذاءها بحرية تحلق وتحط على غصن شجرة أو على العشب أو على مقربة منك، لأنك لست عدوها في هذا المكان فتثق بك ومن عدم تصديك لها، هرة هنا أو أخرى هناك تحاول صيد العصفور أو مستلقية.

تذهب في أحلامك (الوردية) لتعيش مع الطبيعة بلا قلق العالم الأسمنتي، تهب نسمة هواء وإن كانت حارة لكن الأشجار المحيطة بك لطّفت حرارتها، ولو قليلاً، قبل أن تصلك النسمة فتشعر بملامستها لك لتبرد بعض حرارة جسدك، فيمر الوقت من دون وقت لأنه لا معنى له في وقت كهذا.

فجأة ومن دون سابق إنذار وأنت غارق بانغماسك في الطبيعة وانغماسها بك تلتقط عينك منظراً مقيتاً، نفايات منتشرة هنا وأخرى هناك فتعود إلى واقع عالمك الأسمنتي.

نفايات، قاذورات، أوساخ… سمّها ما شئت فالنتيجة واحدة، لقد أسقطتك من عالم الطبيعة إلى عالم أسمنتي، تتذمر تتأفف تلوم المسؤول لوجود النفايات المبعثرة في مكان جميل كهذا، بغض النظر عمن هو المسؤول عن هذا الواقع المقيت، أهو من ألقى النفايات في الحديقة، أم المسؤولون عن نظافتها لم يقوموا بواجبهم.

في كلا الحالين النفايات ما أقلق وجودك، من دون أن تنسى أنك أنت بني البشر تخلف نفايات وإن لم تتركها خلفك في الحديقة العامة. البشر هو أكبر مخلفي نفايات في الطبيعة، وبعبارة أخرى أكبر مدمري للطبيعة التي يتغنون بها!

مع كل تطور تزداد النفايات خطورة وتزداد كميتها إلى حد أصبحت فيه كارثة بيئية تهدد ليس فقط البيئة، بل وجودك ووجود الحديقة العامة ملجئك الطبيعي من العالم الأسمنتي.

لن ندخل في تحديد نوعية النفايات التي يخلفها الجنس البشري مع كل تطور يصنعه، ولكن سنأخذ إحدى نفايات البشر نموذجاً.

منذ فترة وجيزة من الزمن انفصل جبل جليدي عن جبل أكبر منه في القارة القطبية الجنوبية، مساحة الجبل الذي انفصل تقارب 981 كم مربع، الانفصال يعني أن درجة حرارة الجو قد ارتفعت، ما تسبب بذوبان الجليد وقلل من قوة تماسكه، فانفصل أو بالأحرى تصدع وانكسر هذا الجزء منه. في رأي عالمة الثلوج (glaciologist)، وإن كنا نسمع باختصاصات غريبة بالنسبة لنا ولا نجد مرادفاً لها في لغتنا الأم فهذا أمر يشير إلى مدى التخلف العلمي الذي نغرق فيه، وليس إلى تخلف اللغة كما يحاول البعض أن يصوره، فاللغة نتاج عقلي لا العكس، وهذا أمر آخر يدعو إلى دراسات معمقة حول تخلفنا العلني، وألا يقتصر الأمر على عقد (مؤتمرات) حول (واقع لغتنا الأم) فقط. بالعودة إلى عالمة الثلوج هيلين أماندا فريكر فإنها تعتبر أن (هذا سلوك اعتيادي للصفائح الثلجية بأن تفقد كتلة بهذا الحجم، حدث كهذا يحدث كل 60 أو 70 سنة تقريباً).

أمر طبيعي أن يحدث هذا كل 60 أو 70 سنة، لكن ليس بالأمر الطبيعي أن ترتفع درجة حرارة الأرض، والأصح الغلاف الجوي، إلى هذا الحد ليتسبب بظاهرة (الاحتباس الحراري) التي تسبب بها الإنسان لاستهلاكه موارد الطبيعة، من دون أي نوع من (العقلانية)، وتحديداً الوقود الأحفوري.

وفقاً لتقرير صادر عن Intergovernmental Panel on Climate Change فقدت القارة القطبية الجنوبية ما بين 2012 و2016 ما يقرب من 219 مليار طن متري من ثلجها. المفارقة في الانفصال الحالي لجبل الجليد، يطلق عليه تسمية D28، إن ما قبله كان يحدث في الجهة الغربية من القارة القطبية الجنوبية بينما D 28 انفصل من الجهة الشرقية منها.

في المقال وعلى الرغم من الانفصال فان D 28 يسبح في المحيط ويذوب جزء منه مسبباً بالعديد من الكوارث البيئية المحيطة بمساره لتغير البيئة المرافقة لمسيرته، كما يمكن لـ D 28 أن يكبر وفقاً لعالمة الثلوج دانيلا جانسن، ويكبر الجبل بسبب تساقط الثلوج عليه، ولكن في رأي بروفسور بعلوم الأرض، روبرت هاولي، قد يفقد الجبل تماسكه عند انفصاله ما يتسبب بمزيد من التصدعات فيه.

مع ذوبان هذا الكم الهائل من الثلج يرتفع مستوى سطح البحر، ما يعني أن البحر سيأكل جزءاً مساوياً لارتفاعه من اليابسة.

بالعودة إلى النفايات فهي تساهم بشكل كبير في ارتفاع درجات حرارة الغلاف الجوي، كي لا يقع كل اللوم على استهلاك لا عقلاني للوقود الاحفوري فقط، فنحن هنا نتحدث عن نظام بيئي متكامل. (البلاستيك) من ضمن النفايات المسببة للاحتباس الحراري.

مستغرقاً بغوصك في الطبيعة الجميلة في الحديقة العامة المحتضنة وجودك ومن دون سابق إنذار وبشكل مفاجئ، يوقظك نظرك من استغراقك بالاندماج في حضن الطبيعة لأنه التقط منظر النفايات المبعثرة هنا وهناك في الحديقة.

معظم هذه النفايات بلاستيكية، وبخاصة في بلادنا. فكل شيء تقريباً محتضن بعالم البلاستيك، من الأكياس البلاستيكية وصولاً إلى السيارات الزهيدة الثمن إلى الألعاب.

مع اكتشاف طريقة تصنيع البلاستيك واستخداماته المتعددة لزيادة الاستهلاك ولتحقيق مزيد من الأرباح لرخص تكلفة إنتاجه، لم يعِ الإنسان أن اكتشاف البلاستيك عام 1967 وتحديداً (المصنّع له بغية تحقيق المزيد من الأرباح) و(المستهلك له لرخص ثمنه) أنه مادة قاتلة ستؤدي إلى هلاك البيئة والانسان إن استمرت نسب استهلاكه كما هي عليه اليوم. لا يعني هذا أن البلاستيك والبلاستيك فقط هو السبب في كل ما نشهده من (مشاكل بيئية واحتباس حراري)، بل هو واحد من هذه الأسباب، لذا أخذ كمثال.

في البدء ظن صانعو البلاستيك وداعمو تطوير صناعته لما تخلقه هذه المادة من زيادة في الأرباح أن (للبلاستيك مستقبلاً باهراً) والإبهار هنا لتشجيع الاستهلاك لرفع نسب الأرباح، فانفجر تصنيعه واستهلاكه منذ اكتشافه حتى تاريخه فأنتج منه العالم منذ حينها ولغاية عام 2017 ما يقرب 450 مليون طن متري، أي ما يساوي أكثر من 3 ملايين بركة سباحة أولمبية. وأصبح يستخدم تقريباً في كل منتج استهلاكي إن كان بشكل مستقل مثل الأكياس البلاستيكية أو ضمن منتج آخر مثل السيارة الزهيدة الثمن.

وفقا للعديد من التقارير البيئية سنوياً ما يقرب 15% من المنتجات البلاستيكية تنتهي في المياه، أي الأنهر والبحار. تنتهي في مصادر مياه الأرض بعدة طرق يمكن تصنيفها إلى طريقتين أساسيتين: الأولى إلقاء المواد البلاستيكية في المياه، بحر أو نهر، بشكل مباشر، والثانية غير مباشرة، مثلاً خلال استخدام فرشاة الأسنان المصنوعة من البلاستيك عند غسلها تتساقط منها بعض الجزيئيات البلاستيكية أو خلال غسل الملابس، فتذهب هذه الجزيئيات في المجاري والتي تصب أيضاً في مياه البحار أو الأنهر من دون عمليات تكرير صحيحه.

ولأن معظم مجاري المياه في العالم متصلة بعضها ببعض، بطرق مباشرة أو غير مباشرة ما يعني أن البلاستيك يغزو كل مياه العالم!

ففي دراسة حديثة بعد أخذ عينات من مياه منازل في 14 بلداً تبين أن 88% من هذه العينات يحتوي على جزيئيات بلاستيكية، بغض النظر عن مدى تطور مستويات تكرير المياه في هذه البلاد. حتى البلاد التي تعتمد على وسائل تكرير حديثة جداً فهي غير مجهزة للتخلص من هذه الجزيئيات، تبين هذه الدراسة أن ما معدله 5.5% جزيء بلاستيكي موجود في كل لتر مياه شرب منزلي. وما زالت التأثيرات الصحية لهذه الجزيئيات غير معروفة. اما على المستوى البيئي بعامة والمائي بخاصة فتظهر الدراسات أن قطع البلاستيك الكبيرة نسبياً، أيّ بحجم مرئي، تؤذي أكثر من 300 جنس من الحيوانات المائية.

لكن ما يثير القلق أن العديد من الفحوص الطبية تبين أن أنسجة الإنسان (العصري) تحتوي على جزيئيات بلاستيكية ويربطها البعض بظهور أمراض مستعصية على العلاج مثل السرطان وغيرها من الأمراض (العصرية). وقد يكون الأخطر هو شرب المياه من العبوات المائية البلاستيكية، فهي تحتوي على ضعفي نسبة الجزيئيات البلاستيكية الموجودة في مياه المنازل، وقد تصل إلى أضعاف وأضعاف هذه النسبة، في بعض الأحيان تصل إلى 325 جزيئاً بلاستيكياً في القارورة البلاستيكية مقابل 5.5 في مياه المنزل.

أي عندما نظن إن ألقينا النفايات البلاستيكية في النفايات أو الحديقة العامة أو النهر أو البحر أو الشارع أو… أننا قد تخلصنا منها، فهذا ظن خاطئ، فهي تعود للدخول إلى أجسامنا بأكثر من طريقة سواء عن طريق الطعام أو الشراب.

لذا الجلوس في الحديقة العامة للاندماج في الطبيعة الجميلة برفقة النفايات البلاستيكية أمر يمثل تحذيراً لكل البشر بأن الطبيعة بدأت تعاني من مرض مزمن يهدد حياتها وحياتك، فإن لم تكن عقلانياً في نمط إنتاج لا عقلاني وتعمل على تحويله لنمط إنتاج عقلاني فأنت والطبيعة سوف تدمَّران قريباً.

العدد 886 - 13/11/2019