الإسلام السِّياسي.. إلى أين؟

إسكندر نعمة:

في هذا المقال، لا يتّسع المجالُ للخوض في أُصول نشأَة الإسلام السّياسيّ وجذورِه الوهّابيّة ذات الامتداد الحنبليّ. فذلك أمرٌ تقتضيه  دراسةٌ تاريخيّةٌ اجتماعيّة موسَّعة، إلاّ أنّ الأمر يتطلَّبُ منّا أن نوضِّح حقيقةً يجب ألاّ يجهلَها أحدٌ، تلك أنّ الإسلامَ الحقيقيّ من وجهة النّظر الدّينيّة والفكريّة، هو الإيمانُ باللّه ورُسُلِهِ واليوم الآخر، والإتيانُ بالشَّهادتين والعملُ بموجبِهما. وأمّا من وجهة النّظر التّوجيهيّة والاجتماعيّة والسّلوكيّة، فالمسلم مَنْ سَلِمَ النّاسُ من يده ولسانه.

ذلك هو تعريفُ الإسلام والمسلم الحقيقيّ. ومقالتُنا اليوم محاولةٌ للتّعريف بالمدى المُتردّي والمُنحرف الذي وصلَ إليْه ما يُسمّى بالإسلام السّياسيّ، كما هو محاولةٌ للاعتذار من البشريّة عمّا ابتُليَتْ به من شُرور هذا الإسلام السّياسيِّ والمُستفيدين منه، الذين يحاولون العودةَ بالمُجتمعات إلى عصر الإبل وكهوف الظّلام وأزمان الإنسان البدائيِّ، في عالم الرّقميّات والأنترنيت والفضائيّات والهواتف الذّكيّة.  المُستفيدون من الإسلام السّياسيِّ يحاولون أن يفرضوا، بالقوّة وبانتهاج أساليب الإرهاب الفكريِّ والاجتماعيّ، إسلاماً مرفوضاً لا علاقةَ له بالإسلام الحقيقيّ، والهدفُ من ذلك هو تدميرُ الثّقافات والحضارات والدّولِ والمفاهيم الاجتماعيّة والإيديولوجيّات ذات الطّابع التَّقدُّميّ.

يقول د. عبد الرزّاق السَّنهوري: (الإسلامُ دينٌ ودولة، ولكنّه دينٌ لا يطلبُ من غير المسلمين مهما تعدَّدَت انتماءاتُهم الخضوعَ لِأَحكام الإسلام وشرائِعه. فالدَّولةُ الموازيةُ للدّين، من مفهوم الإسلام الحقيقيّ، ينبغي أن تكون دولةً يمتلكُ فبها الفردُ والجماعاتُ حريّةَ اختيارهم وعقائدَهم وسلوكهم وآرائِهم، أيْ حسبَ مفهوم اليوم دولة ديمقراطيّة.  من هنا وجبَ التَّمييزُ بين الدّين والدَّولة. وفائدةُ هذا التّمييزِ أنّ مسائلَ الدّين تُدْرَسُ وتُفْهَمُ بروحٍ غيرِ التي تُدْرَسُ فيها مسائلُ الدَّولة.

كثيرون من الفُقهاءِ والأَئِمّةِ والدّارسين، أَدركوا أَهميّةَ هذا التَّمييز. فوضعوا أبواباً للعبادات وأبواباً للمعاملات والعلاقات الإنسانيّة، وبذلك فرَّقوا بين المسائلِ الرّوحيّة والدّينيّة، وأُصول المعاملات والعلاقات الاجتماعيّة والقانونيّة بمعانيها الحديثةِ.

إذاً، وعلى الرَّغم من أنّ الاسلام في أصل نشوئِه هو دينٌ ودولة.  لكنّ ملامحَ بناءِ الدّولة ومُؤَسَّساتِها أمرٌ غيرُ مُوضَّح المعالم، بينما ملامحُ الدّين وأُصوله أمرٌ ملحوظٌ في الدّين الإسلاميِّ حتّى أدقِّ الجزئيّات. يقول الباحث محمد سليم العوّا: (إنّ إثباتَ وجود نظام حكمٍ مُحدَّد المعالم والتَّفاصيل في مصادر الإسلام الرّئيسة القرآن والسُّنّة، أمرٌ دونَهُ خرقُ القتاد. فالقرآنُ والسُّنّةُ لا يتضمَّنان أبداً نصّاً صريحاً واضحاً عن كيفيّة اختيار الحُكّامِ ومحاسبتِهم وعزلِهم، والنّهجِ الفكريِّ والقانونيِّ الّذي يتوجَّبُ على الحكّام اتّباعُه. وليس في المصدريْن نصٌّ خاصٌّ بالسُّلطتيْن التّشريعيّة والقضائيّة).  الأمرُ الذي يدلُّ ويُشيرُ إلى أنّ مفهومَ الإسلام كدينٍ ودولة يعني أنّ الإسلام دينٌ يتعبَّدُ به المرءُ إلى خالقِه باتِّباعِ مأْموراتِه وتركِ مَنْهيّاتِه، وهو شريعةٌ دينيّةٌ تحكمُ تصرُّفات المؤمنين به وأفعالَهم من بيْعٍ وشِراءٍ وزواجٍ وطلاقٍ وميراث. أمّا شؤُونُ الدّولةِ تنفيذيّاً وتشريعيّاً وقضائيّاً فهي أُمورٌ لا تُقرِّرُها مصادرُ الدّين.

من هنا يبرزُ في صياغة القوانين المرتكزة إلى الدّين فكرةُ الاجتهادِ والتَّوسُّعِ في أحكام الشّريعة. الأمرُ الّذي يُوضِّحُ أنّ المرادَ من أن الإسلام دينٌ ودولة، لزومُ العودة إلى الآراءِ الرَّصينةِ والمرجعيّاتِ الإسلاميّة التي تسمحُ بتعدُّدِ الآراءِ وتنوُّعِها في الشّأن السّياسيِّ والاجتماعيِّ والفكريِّ والدّينيِّ أيضاً.

ذلكم، باختصارٍ شديد، بعضُ ملامحِ ومزايا الإسلام الحقيقيّ. أمّا الإسلامُ السّياسيُّ والمُسْتقوونَ بالإسلام السّياسيِّ، فهم مجموعاتٌ على أعلى درجات التَّزمُّت والانغلاقِ والتَّحجُّر، ينبذون مفاهيمَ العلم والحضارة والتَّطوُّر، بالمقدارِ نفسه الّذي ينبذون فيه مفاهيم رجال القانون منَ المسلمين العقلانيّين. إنّهم يدورون كالنِّعاج ضمنَ حلقاتٍ مُفرغَة من الفتاوى الزّائِفة والمنحرفة التي تُتَرجمُ نصوصَ الدّين والحياة إلى شعاراتٍ تجذبُ أَصحابَ العاهاتِ السُّلوكيّة والفكريّة، لِتأْهيلِهم لِيكونوا جنوداً عُنصُريّين حاقدين مُرتزَقة، أو قنابلَ بشريّة موقوتةً في المجتمعات المُتطلِّعةِ إلى غدٍ أفضل. إنّهم بحقٍّ لا ينطبقُ عليهم الحديثُ الشّريفُ: (المسلمُ مَنْ سلِمَ النّاسُ من يده ولسانه).  إنّهم طواغيتُ مشوَّهون عقائديّاً وسلوكيّاً، يقطعون كلَّ صلةٍ لهم بشرعةِ حقوق الإنسان، ويرفضون العيشَ وِفْقَ قوانين الشُّعوب الّتي يعيشون بين ظُهرانيْها، وأعرافها وثقافتها.

إنّ مظاهرَ التّحريف والمخادعة لديهم بيّنةٌ واضحة، وليس أَدلّ على ذلك من تزويرهم مفهومَ الاستشْهاد والشّهادة. فالاستشهادُ في أصل المفهوم الإسلاميِّ هو الموتُ في سبيل اللّه. وفي مفاهيم الحداثة والدّولة الوطنيّة هو الموتُ في سبيل الوطن والمجتمع، إلاّ أنّه عندَهم غدا ضرباً من الانتحار الأبله والإرهابِ الأَعمى، من أجل مآربَ لا علاقةَ لها بالاستشْهاد إسلاميّاً ولا وطنيّاً. إنّهم بذلك يُخادعون الإسلامَ والوطنِ والنّاسَ ويُخادعونَ أَنفسَهم لِيشيعوا باسم الشّهادة الفوضى والبلطجةَ السِّياسيّةَ تحت شعارٍ خادعٍ مؤسِفٍ هو دخولُ الجنّة الموهومةِ وعالمِ دفءِ الحوريّات وأنهار الخمر والعسل. أليس عبد اللّه عزّام وبن لادن والظّواهري والزّرقاوي والبغدادي والجولاني والقافلةُ تطول، أمثلةٌ صارخةٌ على هذه المُخادعة.  إنّ كلَّ (شهداءِ) الانتحار والتّفجيرات التي جرتْ وتجري تحتَ راية الإسلام السّياسيِّ في أفغانستان وباكستان والشّيشان والبلاد العربية قاطبة وأمريكا وبعض أقطار أوربّا، إنّما هو تزويرٌ لِمفاهيم الإسلام الحقيقيّ ديناً ودُنْيا. فالدّينُ هو أَحدُ الطُّرقِ الهامّة لِتنظيم العلاقات الاجتماعيّة، التي تتَّخذُ من العلم والعقل والضّمير رقيباً على أَفعال الإنسان.

إنّ المستفيدين من الإسلام السّياسيِّ، يرفعون شعارَ الاقتصاد الإسلاميِّ القائمِ على إلغاءِ الرِّبا.  لكنّهم يملكون المصارف وأسواقَ الصَّيْرفة القائِمةَ على الاحتيال والابتزاز وجني المكاسبِ غير المشروعة بأَساليبَ ملتوية مُستفيدين من لعبة السّوق الحرّة وانهيار العملات المحليّة أَمام غول الذّهب والدّولار واليورو والينّ.

وتبقى الطّامّةُ الكبرى تلك المحرّماتُ المُضحكةُ المرتكزةُ إلى فتاوى تضجُّ عفونةً ونتانة، كفتاوى جهاد المناكحة، وإرضاع الأجير والمدير والكبير.  والتّحريم على المرأة أن تشتري الخيارَ دون مرافقة زوجِها، أو تديرَ جهازَ المُكيِّف في المنزل، أو تتكلَّمَ بصوت مسموع أو أو…الموسيقى والغناءُ حرامٌ. الفنُ والتَّمثيلُ حرامٌ. الرَّسمُ والنّحتُ شِرْكٌ وثنيّ، جسدُ المرأةِ وصوتُها عورةٌ. ولكنّهم بعدَ كلّ هذا لا يتورَّعون عن ممارسة جريمة القتلِ، الّتي حرّمَها اللّه إلاّ بالحق. ويعاقرون تجارة الجنس وتجارة المال والمخدِّرات، أليس أمراءُ الحرب في أفغانستان والشّيشان وإيران وأكثر الأقطار العربيّة، والمدعومون بأمراء الإسلام السّياسيِّ من كبار تُجّار الجنس والمخدِّرات.

أخيراً وليس آخراً، الإسلامُ السّياسيُّ والمستفيدون منه لا يؤْمنون بالأوطان كإِطارٍ جُغرافيٍّ واجتماعيٍّ وثقافيٍّ، لِأَنّهم يدَّعونَ باطِلاً أنَّ الإسلامَ دينُهم ووطنُهم. هذا هو مهدي عاكف (مُرشِدُ الإخوانِ المسلمين في مصرَ سابقاً) يقولُ: (أنْ يحكمَ مصرَ مسلمٌ ماليزيٌّ خيرٌ من أَن يحكمَها مصريٌّ آخرُ). الإسلامُ السِّياسيُّ يُعادي بشراسةٍ حقوقَ الإنسانِ الكونيّة الّتي يجبُ أَن يتمتّع بها لِكونه إنساناً مهما كان دينُه أو جنسُه أو مذهبُه. من حقّ الإنسان أَن يتمتَّعَ بضماناتٍ أَساسيّةٍ غير قابلةٍ للتَّفريطِ كحقِّ الحرّيّة والكرامة والأَمن والسّلامة البدنيّة والحقوق الاجتماعيّة كحقِّ العمل والسّكن والملكيّة الخاصّة المحدودة. ومن دون التّمتُّع بهذه الحقوق لن يكون للمجتمعات العربيّة والإسلاميّة أيّةُ مكانةٍ مأْمولةٍ في عالم القرن الحادي والعشرين وما يليه من قرونٍ تتالى، ذلك أنّ حياةَ الشُّعوب وثقافتَها، يؤَسِّسُ لها ويُشيدُها سيادةُ العقلِ والدّيمقراطيّة والعلاقاتِ المتَّزنة والتَّخلّي عن مواقف الرَّفض الأرعن الملتزمِ بتفاسيرِ الفقهاءِ الّتي لا تقودُ إلاّ إلى تفكيرٍ بالٍ متشدَّدٍ مُحنَّطٍ تجاوزَهُ الزَّمان.

العدد 917 - 1/07/2020