الخصخصة في الأمس.. واليوم!

خلال العقد الماضي تبيّن بجلاء أن ملكية الدولة، وإدارتها للقطاع العام الاقتصادي والمرافق الحيوية، كالكهرباء والمياه والموانئ والمطارات والطرق، كانتا محط أنظار بعض مهندسي الاقتصاد السوري، الذين رأوا أن هذه الملكية، وتلك الإدارة تقفان عائقاً أمام سيادة السوق، وقوانين السوق، وشاركهم في ذلك فئات من المستثمرين المحليين والأجانب الذين رأوا في قطاع الدولة حلماً للوصول إلى الجمهور الأوسع.. والربح الأعلى.. والسيطرة المطلقة.

ورغم نمو حجم القطاع الخاص في الحياة الاقتصادية، وسيطرته على قطاعات الإنتاج المختلفة، وارتفاع مساهمته إلى 70% في الناتج المحلي الإجمالي عام 2011، ورغم ازدياد الاستثمارات الخاصة العربية والأجنبية، وشمولها جميع ميادين الإنتاج والخدمات خلال العقد المنصرم، بقيت عيون هؤلاء موجهة نحو قطاع الدولة المتعدد الجوانب، وبدا أن المطلوب هو التخلص من احتكار ملكية الدولة وإدارتها لهذا القطاع.

لم يقتصر الأمر في التصويب على ملكية الدولة على الجانب المحلي، فقد قدمت المؤسسات والهيئات الدولية نصائحها بضرورة تفكيك هذه الملكية، وإلغاء سيطرة الدولة على قطاعها الاقتصادي ومرافقها الحيوية، فهي، برأيهم، تعرقل اندماج الاقتصاد السوري في الاقتصاد العالمي، فهاهو ذا ممثل الاتحاد الأوربي في سورية يصرح في عام 2009: (يؤمن الاتحاد الأوربي بأن عملية الإصلاح التي تبنتها سورية مهمة وفي الاتجاه الصحيح وكفيلة بفتح الأبواب أمام اندماج سورية الكامل في الاقتصاد العالمي. وغني عن القول إن الخصخصة وتفكيك الاحتكارات العامة هما أحد متطلبات هذا الاندماج).

في عام 2008، كتبنا في (النور) حول توقيع عقد بالتراضي لتطوير معمل أسمنت طرطوس مع شركة (فرعون) التجارية، وعدّدنا في المقالة أسباب رفضنا لهذا الأسلوب في تطوير مصانعنا الحيوية، ووضعنا في تلك المقالة أيضاً شكوكنا حول نجاح مثل هذه الشركات التجارية غير المتخصصة في تنفيذ التطوير المنشود، وطالبنا بتطويرها محلياً، بتمويلٍ من مؤسسة التأمينات الاجتماعية التي كانت تبحث آنذاك عن استثمار لأموالها.

واليوم، القضاء الاداري يضع الحجز على ممتلكات شركة (فرعون)، لمخالفتها شروط العقد الموقع معها لتطوير أسمنت عدرا، بسبب مخالفتها لشروط التعاقد.

والعجيب أن الأمور مازالت تسير اليوم على المنوال ذاته! والقادم، على ما يبدو، هو مناجم الفوسفات وحقول نفطية، ومطار تدمر.. ومطار حلب الجديد.

يا حكومتنا الرشيدة، يا كلّ المسؤولين عن اقتصاد بلدنا، لقد طالبنا_ وشاركنا كل وطني مخلص_ بإصلاح القطاع العام، ليساهم مع القطاع الخاص في الحياة الاقتصادية استناداً لمبدأ التعددية الاقتصادية، وليدعم جماهير الشعب السوري التي تعدّه ملاذاً لها في وجه طغيان السوق وآلياته، لكن الأمور تجري اليوم باتجاه خصخصة هذا القطاع، باتجاه التخلي عن ملكية المرافق الحيوية وإدارتها، وهو توجّه حمل الكوارث في بلدان أخرى.

تمهّلوا.. فقد تحتاجون إلى أكثر من قضاء إداري مستقبلاً!

العدد 878 - 18/09/2019