ما بعد الحداثة.. والتشيّؤ والتسلع

يونس صالح:

التشيّؤ، هو مصطلح صكّه الناقد المجري الماركسي جورج لوكاش، استناداً إلى مصطلح ماركس عن صنمية البضاعة، وهي يعني تحول العلاقات بين البشر إلى ما يشبه العلاقات بين الأشياء (علاقات آلية غير شخصية) ومعاملة الناس باعتبارهم موضعاً للتبادل.

وسبب التشيؤ (في الأدبيات الماركسية الإنسانية) اقتصادي، إذ تذهب هذه الأدبيات إلى أن تقسيم العمل الموغل في التخصص هو الذي يؤدي إلى تجزؤ الإنسان وابتعاده عن الإحساس بالكل. كما أن الاستغلال في المجتمع والملكية الفردية لأدوات الإنتاج وآليات المجتمع البورجوازي (حيث يبيع العامل قوة عمله ولا ينال ثمرة عمله) تؤدي إلى أن يعامل الإنسان عمله وكأنه شيء غريب عنه، ولا يجد فيه إبداعاً أو تحقيقاً للذات. وقد طور لوكاتش المفهوم وأخرجه من المجال الاقتصادي إلى المجال الحضاري، فذهب إلى أن الفكر البورجوازي ككل يقوم بعزل لحظات متفرقة من حياة الإنسان عن كليتها المركزية، وينسب إليها صفات الأشياء. ولكن علم الاجتماع الغربي أخرج المفهوم من نطاقه الاقتصادي أو الحضاري، ورأى أنه مفهوم يصلح لوصف المجتمع الحديث ككل وكثير من الصفات السلبية فيه مثل التنميط والتجريد، التي حلت محل حلم التحديث الإنساني القديم الخاص بإعلاء إرادة الإنسان على الطبيعة، وتزايد معرفته حتى يمكن التحكم الكامل في ذاته وفي بيئته وفي قوانين الضرورة، حتى يخرج من عالم الضرورة ويدخل عالم الحرية. وفيما يلي بعض الأسباب المؤدية إلى التشيؤ كما يراها بعض علماء الاجتماع الغربيين:

يصبح الإنسان في المجتمع الصناعي الحديث في الغرب مجرد عنصر واحد وجزء ضئيل من جهاز الإنتاج الهائل المكون من عدة عناصر، وهو جهاز يصعب فهمه أو الإحاطة بشبكته المعقدة أو القوى التي تمسك بخيوطه وتحركها.

ويرى البعض أن إيقاع الحياة الحديثة ذاتها هو إيقاع آلي يفرض ضرباً من التفكير الآلي على الإنسان.

المجتمع الاستهلاكي مجتمع مغرق بالسلع، ومع هذا تخلق عند الإنسان الحاجة إلى المزيد من السلع فيعمل، ويسعى للحصول على شيء هو لا يريده وليس في حاجة إليه، وهذا شكل من أشكال التشيؤ.

ظهرت البيروقراطيات الحديثة ولها مقدرات هائلة على القمع، وأحكمت قبضتها على الإنسان حتى صبغت حياته بصيغة بيروقراطية، وهذا شكل من أشكال التشيؤ.

ساعدت وسائل الإعلام بما لها من مقدرات هائلة على زيادة التحكم في الإنسان وضبطه من الداخل والخارج، أي أنها ساعدت على تشييئه.

التشيؤ هو نتيجة ظهور علوم مختلفة تقسم الإنسان إلى أجزاء مستقلة، ويدرس كل علم أحد الأقسام بمعزل عن الإنسان ككل، أي أن الإنسان الكلي يضيع ويذوب وينقسم إلى أجزاء ذرية لا يربطها رابط.

ويرى البعض أن التشيؤ هو أن يرى الإنسان الشيء المجرد (مثل المفاهيم) باعتباره شيئاً حقيقياً. والشيء المجرد هو تبسيط للواقع، وتصور الإنسان أن النموذج البسيط هو الواقع ذاته، هو خلط بين الواقع والشيء، وبهذا المعنى فإن الحياة الحديثة، بما فيها من تجريد، تؤدي إلى تشيؤ الإنسان.

يمكن القول ببساطة شديدة إن التشيؤ هو أن يتحول الإنسان إلى شيء، تتمركز أحلامه حول الأشياء، فلا يتجاوز السطح المادي وعالم الأشياء، والإنسان المتشيئ ذو بعد واحد قادر على التعامل مع الأشياء بكفاءة غير عادية من خلال نماذج اختزالية بسيطة، ولكنه يفشل في التعامل مع البشر بسبب تركيبتهم، والإنسان المتشيئ إنسان قادر على الإذعان للمجردات المطلقة وأن يتوحد بها ويتصرف في هديها.

وهكذا بدلاً من ظهور الإنسان الطبيعي القادر على أن يستمد معياريته من الطبيعة أو من عقله أو من كليهما معاً، ظهر الإنسان المدجن المذعن الذي ينصت بعناية شديدة لما يأتيه من (رسائل) من الخارج (إعلانات، برامج تلفزيونية- بيانات سياسية) ويصوغ حياته في إطارها، فهو إنسان مفرغ تماماً من الداخل، يرى أن خلاصه هو في البحث الدائم عن المتعة المباشرة، ومن ثم فالسلعة هي أيقونته الكبرى، وهكذا يترجم التشيؤ نفسه إلى تسلع.

و(التسلّع) هو مصطلح يشير إلى أن السلعة هي الشيء الأعظم، ومن ثم تصبح عملية تبادل السلع هي النموذج الكامن في رؤية الإنسان للكون ولذاته ولعلاقاته مع الآخر والمجتمع. وإذا كانت السلعة هي مركز السوق والمحور الذي يدور حوله، فإن التسلع يعني تحول العالم إلى حالة السوق.

ويرى الإنسان نفسه باعتباره سلعة، ويرى الآخرين باعتبارهم سلعاً، ويرى حركة الحياة كما لو كانت هي ذاتها حركة السوق أو المصنع، وهكذا أصبحت السلعة، هذا الشيء الأعظم، هي النموذج الأساسي الذي أزاح الإنسان عن مركزه في الكون وحل محله، وهكذا قضى تماماً على الحلم الإنساني القديم الخاص بسيطرة الإنسان على الطبيعة وعلى ذاته، وهو الحلم الذي يشكل الأساس المعرفي والأخلاقي منذ عصر النهضة حتى نهاية القرن التاسع عشر.

ومع نهاية الحلم، ومع تزايد هيمنة السلع والبيروقراطيات وصناعات المتعة على الإنسان، يظهر الفن الحداثي الذي يحاول أن يفر من قبضته التشيؤ والتسلع، خصوصاً أن السلعة لم تعد تهدد الإنسان وحسب، وإنما بدأت تطرح نفسها كبديل للفن وللأعمال الفنية وللنشاط الفني. فالسلعة لم تعد تتحرك في عالم السطح الخارجي (السوق) وإنما بدأت تتغلغل في عالمه الداخلي، عقله وقلبه وروحه، بحيث أصبحت مركز أحلامه وتطلعاته (الروحية)! كما رُبطت السلعة بالدوافع الجنسية للإنسان، إذ يمكن تحقيقها من خلال شراء المزيد من السلع.

بل إن البعد الجمالي للسلعة بدأ يتعمق، إذ يتم تغليفها بعناية حتى يصبح شكلها في أهمية فائدتها ومضمونها، واقتناء السلعة أصبح هو مصدر الهوية في العالم المتسلع. إن كل هذا يعني أن السلعة أصبحت هي الغاية المطلقة، فحلّت محل الدين بدلاً من الفن الذي كان يطمح لأن يشغل هذه المنزلة مع تصاعد معدلات العلمنة في المجتمعات الغربية.

والفنان الحداثي يشعر بالاغتراب العميق في عالم التسلع والتشيؤ، فيبتعد عنه ويدير ظهره له ويهرب منه، ويحاول أن يبدع أعمالاً فنية فريدة لا تحاكي أي واقع خارجي متسلع تافه وسطحي ولامع، ولا يستحق المحاكاة. ومن هنا الإصرار المتوتر على الإبداع بدلاً من التواصل، وعلى التجريد المستمر باعتبار أن العمل الفني يدير ظهره للعالم المتسلع، وكلا العنصرين يسقط الجانب الاجتماعي والإنساني. ومن هنا الاتجاه نحو الاهتمام بأنواع فنية (ضدية)، فيقال (الفن المضاد) و(الرواية المضادة)، و(الحصار المضاد)، فكأن الفنان الحداثي ينتج وثناً فنياً مكتفياً بذاته لا يشير إلى أي واقع، ولا يحتوي على أية غاية، حتى يسبب الكدر لهؤلاء البورجوازيين القادرين على شراء كل شيء، بما في ذلك الأعمال الفنية الجميلة. ولذا يحاول الفنان الحداثي أن ينتج أعمالاً فنية تسبب القلق ولا تدخل الراحة على قلب أحد. إنها محاولة من جانبه أن يذكر الجميع بعصر التحديث البطولي، ولكنها محاولة مأسوية، لأن الفنان الحداثي يعرف تماماً أن عصر البطولة قد ولّى، وجاء عصر التسلع والتشيؤ.

وقد أثبتت البورجوازية أنها مرنة قادرة على التكيف، فتقبلت هذه المحاولة الحداثية البائسة بصدر رحب، وأصبحت الأعمال الفنية الحداثية المقلقة سلعاً ثمينة، بل أصبحت من أغلى السلع على الإطلاق، أي أنه تم استيعاب الثورة الحداثية المأسوية البائسة، فظهرت ما بعد الحداثة. ففنان ما بعد الحداثة متكيف تماماً مع الواقع المتسلع والمتشيئ من حوله، فهو لا يمارس أي إحساس بالاغتراب أو الرغبة في التمرد، فالاغتراب هو اغتراب ذات واعية، لها إرادة قادرة على الاختيار والتمييز بين العدل والظلم، والخير والشر، وتؤمن بوجود ثوابت وراء عالم السطح المتغير. أما ما بعد الحداثة فتنكر وجود أي ثبات وأي ذات وأي وعي وأي مقدرة على الاختيار، إذ لا يمكن التمييز بين الخير والشر والعدل والظلم والحقيقة والزيف. فكل الأمور في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، نسبية متساوية، ولذا لا ضير في أن نترك عالم البطولة وأحلام البطولة ونتكيف مع عالم التشيؤ والتسلع، ولنسقط الحدود بين العمل الفني والسلعة، فيصبح العمل الفني سلعة، والسلعة عملاً فنياً (فكل الأمور نسبية متساوية). والتسلع والتشيؤ، أي هيمنة الأشياء على عالم الإنسان، وأسبقية السلعة والآلة على الإنسان المستهلك، هو في واقع الأمر أساس حديث فناني ما بعد الحداثة عن أسبقية الدال على المدلول، واللغة على الوعي، والحقائق على القيمة، وكذلك انفصال كل حد في هذه الثنائية.

العدد 929 - 30/09/2020