من القلب إلى القلب | في المرة الأخيرة: كم حقيبة ستأخذ معك؟

عماد نداف:

كلّما انتقل الإنسان من محطة إلى محطة، وجد نفسَه أمام خطوة لابد منها هي (جمع حقائبه ونقلها)، فتغييرُ المكان لإنسان ما يتطلب تلقائياً نقل حاجاتِ هذا الإنسان معه، فهناك أشياء لا يمكن أن يتركها ويغادر إلى المكان الجديد:

هناك ملابسُه، وهي تتطلبُ أكثرَ من حقيبة، وهناك كتبُه وربما تتطلبُ سيارةَ شحن، وهناك سريرُه وخزانتُه ومفروشات بيته، وأيضاً هناك أمواله!

استوقفتني المسألة أكثر من مرة، فقد اضطررت إلى التنقل من مكان إلى آخر عدداً كبيراً من المرات: بين دولة وأخرى، وبين مدينة وأخرى، وبين فندق وآخر، وبين بيت وآخر، وبين سجن وآخر، وبين زنزانة وأخرى، وبين مهجع وآخر!

وفي كل مرة كنتُ أجد نفسي أمام هذا السؤال: ماذا عن (حقائبي)؟!

قبل أيام دعاني صديقي الفنان التشكيلي موفق مخول إلى زيارة المتحف التربوي الذي يشرف عليه، فإذا أنا أمام أسئلة كثيرة فرضتها تفاصيل ذلك المتحف الجميل، وهناك زرتُ مكتبة دمشق التربوية التابعة للمتحف، فشاهدتُ فيها جناحاً باسم الصديق المخرج علاء الدين كوكش، الذي قدّم قبل نحو عام أكثر من 25 ألف كتاب هدية للمكتبة، وتوازي هذه الكتب ربع عددها البالغ مئة ألف!

وعلاء كوكش قدم الكتب للتربية خوفاً عليها من الحرب التي استهدفت بيته كما توقع، وفرح لأنها أضحت في مأمن، لكنها أعادت لي عندما شاهدتُها أنا فكرة الحقائب، فهل على كل منا أن يعدّ حقائبه للرحيل خوفاً من الحرب أو السجن أو القتل أو الموت؟!

سأتجاوز كل هذه الاحتمالات وأبقي على فكرة الموت التي تجتاحنا كثيراً هذه الأيام، فكيف يجمع حقائبه ذاك الذي يقترب الموت منه، وكم تتسع الحقائب التي يأخذها معه؟!

سؤال ديني وفلسفي واجتماعي وفكري بآن واحد!

لن يأخذ معه شيئاً!

اسمعوا ماذا يفعل ورثة بعض الكتاب والأساتذة والمثقفين في كثير من الحالات:

ما إن يذهب صاحبُهم دون حقائب إلى دار الفناء حتى يتوزعونها قبل أن تجفّ دموعهم على المرحوم، وفي ذلك سُنّة الكون.

ولكن ماذا عن حقيبة الكتب؟

إنهم يبيعون المكتبة لتجار الأرصفة، أو يرمونها في الحاويات، فما يهمهم هو ما خفّ وزنه وغلا ثمنه، وفي تجربتي مثالان:

الأول أن أحد القامات الكبيرة (الدكتور م، ب) أخبرني أنه أوصى بمكتبته كاملة لي بعد موته، لكي أحافظ عليها، وعندما توفي طارت المكتبة. فقبل موته وضعوها على السقيفة ثم رموها.

المثال الثاني، وما زال حياً وهو الدكتور جورج جبور_ أطال الله عمره_ قال لي: يجب أن تتسلم أنت مكتبي الكبيرة أفضل من أن تضيع، فأنا تعبت. وعنده قبو كامل مليء بالكتب.

أخافتني الفكرة. هذا يعني أن الأشياء التي نقلتُها أنا من منفى إلى منفى ومن سجن إلى سجن ومن مكان إلى مكان لاتهم أحداً غيري، إذاً عليّ أن أقرر مصيرها قبل أن يقرر غيري مصيرها، ووجدت في خطوة المخرج علاء الدين كوكش القدوة.

وهذا يعني أن على كلٍ منا أن يبحثَ عن زاوية ما في هذا الوطن شرع أصحابها بإنشاء مكتبة عامة، فيضع فيها منذ الآن واحدة من أهم حقائبه!

هي أمانة للأجيال!

العدد 882 - 16/10/2019