من الواجهة الأخرى للصراع… ما يعرفانه

إذا كان ثمة تخطيط عملياتي للهجوم على إيران، فإن عدد المطلعين على السر في إسرائيل محصور جداً. وليس كل أعضاء هيئة الأركان ولا كل وزراء الحكومة مشاركين في السر، ولا في القرار ولا في الاستعدادات. كما أن الثلة القديمة من قادة المؤسسة الأمنية في الماضي، وبضمن ذلك رؤساء شعبة الاستخبارات والموساد، لا تشارك في سر المعلومات والتخطيطات الفعلية. لذلك، عندما يلمح رئيس الموساد الأسبق، إفرايم هليفي، إلى أن الأسابيع الـ 12 القريبة هي أسابيع حاسمة للشرق الأوسط – وبضمن ذلك في موضوع معالجة النووي الإيراني – وهذا تقدير موزون وفهيم للوضع من رجل مهني مجرب، لكنه لا يستند إلى الاطلاع على (المادة الحقيقية القاسية). أي أنه ليس شريكاً في المعلومات الاستخبارية، والمخططات، والاعتبارات السياسية الحقيقية والاعتبارات العسكرية حتى آب 2012.
وفعلاً، بعد ظهوره في الإعلام الأمريكي حين ألمح إلى أنه في الأسابيع الـ12 المقبلة لا يجدر بالإيرانيين أن يناموا بهدوء، غيّر هليفي النبرة. فقد فهم أن الرسالة استوعبت ليس فقط في إيران وفي الولايات المتحدة، بل في إسرائيل أيضاً. المواطنون الإسرائيليون أخذوا الأمر على محمل الجد، فزعوا، وبدؤوا ينظفون الملاجئ ويتساءلون ماذا سيفعلون في أيلول – تشرين الأول؟ وعندئذ خفف هليفي نبرة أقواله وأوضح، هذه المرة في القناة الثانية، أنه قصد الوضع العام، الإقليمي، الذي يمكنه أن يقود إلى تدهور حيال إيران، وبضمن ذلك ما يجري في سورية. وأكد في تقديره أن إسرائيل لن تهاجم وحدها من دون الأمريكيين. وبشكل عام، بحسب رأيه، النووي الإيراني ليس تهديداً وجودياً على إسرائيل.
وبينما اجتذب تحذير هليفي خلفه أصداء جماهيرية، ظهر رئيس شعبة الاستخبارات الأسبق أهارون زئيفي فركش في نشرة يوم الجمعة في القناة الثانية فأعلن إسرائيل، بحسب تقديره، توشك أن تهاجم  إيران في غضون أسابيع أو أشهر. وعلى فرض أن الحديث يدور عن مصادفة لا عن حملة منسقة ومغطاة إعلامياً، فإن أمامنا رجلَيْ أمن جديين وموثوقين يعرضان تقديرهما استناداً إلى ما يفهمانه بأنه (اقتراب نافذة الفرص للهجوم في إيران). ولا بد من أنهما يحللان الوضع استناداً إلى معرفتهما الشخصية. لكن تجدر الإشارة إلى أن العناصر التي خلقت نافذة الفرص في زمنهما ليست كلها صحيحة اليوم. الخطط العسكرية، القدرات والتكنولوجيات اجتازت منذئذ عدداً من التطورات. يحتمل أن تكون رغبتهما في تحذير الشعب من حرب زائدة تستند إلى معطيات غير كاملة أو غير حديثة.
من جهة أخرى، ليس مستبعداً أن يكون قادة الأمن قلقين من الإحساس المتبقي في الولايات المتحدة وفي إيران، بأن استعدادات إسرائيل للعمل في الدرك الأسفل. وليس هناك سبيل أفضل لإثارة إحساس الخوف في الطرف الآخر من جلب سلسلة رجال مهنيين يعرضون باراك ونتنياهو كثنائي مغامر توّاق للمعارك. هذا يكفي لزعزعة ثقة الإيرانيين ولإنذار الأمريكيين من مغبة الدخول في حالة عدم اكتراث نووي. وإذا كان الأمر كذلك، فلنطرح السؤال عندما انتقد كبار رجال المؤسسة الأمنية، خصوصاً مئير دغان، النية بالهجوم، ادعى نتنياهو وباراك أن الانشغال الإعلامي في الموضوع جسيم وخطير. مشوّق أن نعرف ما إذا كانا سيهاجمان الآن أيضاً تصريحات هليفي وفركش؟
إن الحرب التي تدور رحاها اليوم فوق السطح وتحته بين إسرائيل وإيران تتضمن سلسلة من المقومات العسكرية والاستخبارية، وتوقع أيضاً ضحايا في الأرواح. بالتوازي، تجري حرب نفسية على الرأي العام. ينبغي الخروج من نقطة الانطلاق بأن الإدارة الأمريكية أيضاً تلعب لعبة احتيال واستغلال. كل طرف يحاول تنويم الطرف الآخر، من خلال رسائل غامضة، تضليل وما شابه، لإخفاء النيات والمواعيد وتأكيدات الضربة العسكرية. عندما سمع الإيرانيون هليفي وفركش فلابد من أن يكون قد مرّ بخاطرهم التفكير بأن أحداً ما يلعب معهم لعبة المقلوب على المقلوب، وربما أنهم على حق.
أليكس فيشمان
(يديعوت)، عن السفير

العدد 938 - 02/12/2020