الحقـوق الفلسطينية.. بين ملهاة التفاوض وسـياسـة الفصل العنصري!

في سياق ترسيم الحل المتاح إسرائيلياً وأمريكياً للصراع العربي – الإسرائيلي والفلسطيني – الإسرائيلي خارج غرف التفاوض، وعبر توسيع الاستيطان والتهويد الشامل في الأراضي الفلسطينية المحتلة عامة ومدينة القدس خاصة، أكدت »حركة السلام الآن« الإسرائيلية في تقرير لها نُشِرَ في بداية السنة الحالية »كانون الثاني 2012« أنه مع بداية عام 2012 بدأت حكومة نتنياهو- ليبرمان بتوسيع المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية بوتيرة لم يسبق لها مثيل. وبحسب معطيات الحركة فإن أعمال البناء وفيما لا يقل عن 13 ألف وحدة سكنية قد بدأت، علماً بأنه بُني 3000 وحدة سكنية سنوياً في الأعوام الثلاثة السابقة.

وفي سياق هذا التوسع الاستيطاني المحموم، فإن حكومة نتنياهو- ليبرمان لا تقضي على فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة فحسب، بل تمعن أيضاً في تأسيس نظام فصل عنصري يحشر الفلسطينيين في كانتونات مقطعة الأوصال أكثر بشاعة مما شهدته جنوب إفريقيا إبان عهد العنصرية البغيض. وقد قالت منظمة »هيومان رايتس ووتش« في تقرير أصدرته في 19 شباط الماضي »إن السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية تميزت بقسوة ضد السكان الفلسطينين، وتحرمهم الحاجات الأساسية، بينما تنعم بمختلف الخدمات على المستوطنات اليهودية«.

وطبقاً لدراسة مسْحية أجرتها المنظمة في شباط 2012 على المساكن والأحياء والقرى في المنطقة ج، وهي المنطقة التي تغطي 60% من أراضي الضفة الغربية وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الحصرية، إضافة إلى القدس الشرقية التي ضمتها إسرائيل بشكل أحادي، فإنه نحو 31% من السكان الفلسطينيين في تلك المنطقة تعرضوا للطرد والنزوح منذ سنة 2002,. وختمت الدراسة بالقول: »إن النظام الثنائي المطبق في المنطقة ج والقدس يوفر مساعدات خدمية ومالية سخية للبنية الاستيطانية لتشجيع الوافدين من اليهود، والترويج للحياة في المستوطنات اليهودية، مع تعمد حجب الخدمات الأساسية وقمع النمو السكاني وفرض الأوضاع الحياتية الشاقة على المجتمعات السكنية الفلسطينية، وهذا التمييز في المعاملة على أساس العرق أو الإثنية أو الأصل الوطني، يخرق الحظر الأساسي على التمييز الوارد في القانون الدولي لحقوق الإنسان«.

تحريض ضد القيادة الفلسطينية وتهديد بحرب في الضفة والقطاع

بالتزامن مع ثنائية التوسع الاستيطاني والفصل العنصري، تندفع حكومة نتنياهو- ليبرمان في سياسة التحريض ضد الرئيس الفلسطيني أبو مازن، إذ اتهمه ليبرمان بـ»السياسي الإرهابي الأكثر خطراً على إسرائيل«، وطالب الشعب الفلسطيني بـ»استبداله«، لأنه لم يعد شريكاً مناسباً للتفاوض!«.. يحصل ذلك بينما تواصل الحكومة الإسرائيلية سياسة بناء المستوطنات وجدران الفصل العنصري، وخنق المجتمعات الفلسطينية التاريخية، ومنع السكان من النمو والحياة في أراضيهم، ومواصلة القتل والاعتقال اليومي في مختلف أنحاء الضفة والقدس. وقد أعلنت وزارة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينيين أن سنة 2012 شهدت استشهاد أكثر من 150 فلسطينياً واعتقال أكثر من 2300 مواطن، بينهم 1000 طفل تتراوح أعمارهم ما بين 15 و17سنة.. وكانت النسبة الأكبر من الشهداء والمعتقلين في منطقة القدس، تليها منطقة الخليل وطولكرم ورام الله.

أما في قطاع غزة فإن قوات الاحتلال تلجأ إلى ما يشبه »حرب الاستنزاف« المتواصلة ضد المجتمع الغزّي، عبر استمرار فرض الحصار عليه، وضد فصائل العمل الوطني، عبر التوغلات والغارات الجوية اليومية، ومحاولات فرض »الحزام الأمني« باستهداف كل من يقترب من مسافة بعمق يتجاوز المئة متر من أراضي القطاع. وقد سقط 37 شهيداً برصاص الاحتلال الإسرائيلي وقذائفه خلال الأشهر الثلاثة »حزيران وتموز وآب« 2012.

وتتصاعد لهجة التهديد والوعيد من جنرالات الجيش الإسرائيلي بشن عدوان واسع النطاق ضد قطاع غزة، بينما ذهب محللون عسكريون إسرائيليون إلى حد القول »إن القرار بشن حرب جديدة قد اتخذ، وإن تنفيذها رهن بالتوقيت الملائم إسرائيلياً. وفي هذا الصدد، كتب الصحفي ألوف بن في صحيفة »هاآرتس« يوم 29/7/2012 بعنوان »على أوباما منع وقوع عملية الرصاص المصبوب 2« قال فيها: »من الآن فصاعداً سيتغير جدول الأعمال، فبدلاً من تطوير أمل عابث بتسوية سياسية، فإن على الجهود الدولية أن تركز على منع الحرب.. لأن أعوام الانتخابات في إسرائيل مرشحة منذ الأزل للتصعيد العسكري«.. ولهذا يتوجب على المجتمع الدولي مضاعفة ساعات الرقابة على حكومة الثنائي نتنياهو- ليبرمان، كي يمنع وقوع أي مغامرة إسرائيلية غير محسوبة ضد الفلسطينيين أو ضد إيران.

أزمة تحالف إسرائيلية.. مؤجلة داخلياً

بينما ينشغل الجنرالات بالاستعدادات الحربية وتصعيد العدوان، ولاسيما على قطاع غزة، يركز المطبخ السياسي الإسرائيلي على إحباط التحرك الفلسطيني لتوسيع الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية السيادية، وبنقل ملف الاستيطان إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، خشية تطور الموقف الفلسطيني إلى استراتيجية تركز على نزع الشرعية عن دولة الاحتلال.. وقد أعدت إسرائيل لهذه الغاية خطة تبدأ بـ»حملة شاملة« أوعزت بموجبها إلى ممثلها في الخارج بـ»التصدي بصورة عاجلة« للمبادرات والجهود الدبلوماسية الفلسطينية. لكن اللافت أن مثل هذا الموضوع بات يوظف في سياق التنافس السياسي، ليس فقط بين المعارضة بزعامة شاؤول موفاز رئيس حزب كاديما، الذي خرج من التحالف مع نتنياهو على خلفية قانون الخدمة العسكرية والموازنة، والدولة الفلسطينية المؤقتة، وحزب الليكود بزعامة نتنياهو، بل داخل أحزاب الائتلاف الحكومي المتطرفة نفسها أيضاً. ففي تصعيد جديد للأزمة في الائتلاف اليميني الإسرائيلي المتشدد، اتهم وزير الحرب ورئيس حزب العمل إيهود باراك، رئيس الحكومة نتنياهو بـ»القلق والتردد في اتخاذ قرارات صائبة لمواجهة المأزق الدولي الذي تشهده إسرائيل«. وأبدى باراك استجابة أولية للأغلبية في حزبه التي تدعو إلى الانسحاب من الحكومة، قائلاً: »لا مفر من انسحاب حزب العمل من الائتلاف الحكومي إذا لم يحدث أي تقدم سياسي في المفاوضات«.

وعلى الرغم من وعود باراك بأزمة ائتلافية مؤجلة، فإن هامش المناورة يبقى متاحاً أمام نتنياهو الذي أعلن أيضاً أنه مادامت المفاوضات التي تتطلب من إسرائيل اتخاذ قرارات ليس في مقدور الحكومة اليمينية الحالية اتخاذها، فإنه لا يجد سبباً لإدخال تغيير على تركيبة حكومته. وفي التحليل الأخير فإن نتنياهو حتى في حال انسحاب حزب العمل، يستطيع الحفاظ على حكومته بدعم 61 عضو كنيست، وبتوفير مظلة حماية من أحزاب يمينية صغيرة، هذا إذا اختار التمسك بمواقفه المتطرفة سبيلاً للبقاء على رأس اليمين المتشدد في الانتخابات المقبلة، سواء كانت مبكرة أم في موعدها، بدلاً من إخلاء موقع قيادة هذا اليمين لمن يقفون على أهبة الاستعداد، وفي مقدمهم أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب »إسرائيل بيتنا« الفاشي والعنصري.

انقسام فلسطيني يحول دون بناء موقف موحد

في مقابل الهجوم الإسرائيلي المتعدد الجبهات، تطغى خشية القيادة الفلسطينية من خوض مجابهة دبلوماسية دولية مع إسرائيل والولايات المتحدة التي توفر لها مظلة حماية في المحافل الدولية، على محاولات الدفع في اتجاه تطوير التحرك السياسي الراهن كي يصبح أحد مكونات الاستراتيجية الوطنية الموحدة في المرحلة المقبلة. وهي استراتيجية تتطلب التوافق والاتفاق على موقف سياسي فلسطيني موحد يشكل حجر الأساس لبناء موقف عربي موحد داعم للموقف الفلسطيني، وعلى الخيارات التي يمكن تبنيها، الأمر الذي لا يبدو ممكناً في ظل استمرار حالة الانقسام الداخلي، وانكشاف الظهر الفلسطيني لشتى التدخلات الإقليمية والدولية، انطلاقاً من مصلحة كل طرف في بقاء حالة الانقسام.. وربما التقسيم.. على الرغم من تحول اللقاءات الثنائية بين حركتَيْ فتح وحماس إلى »عملية حوار« شبيهة بالعملية السياسية لطحن الهواء بلا نتائج حقيقية تقود في المدى المنظور إلى تحقيق المصالحة الوطنية.

وإلى حين نجاح الحوار في تحقيق المصالحة، فإن الانقسام سيبقى سبباً جوهرياً في استمرار انتهاك الحريات العامة في كل من الضفة والقطاع، سواء عبر تعطيل عمل لجنة الانتخابات المركزية في قطاع غزة، أم عبر الاعتقالات السياسية المتواصلة في الضفة.. وإدارة الظهر لقرارات محكمة العدل العليا بالإفراج عن المعتقلين في الضفة والقطاع والسماح بحرية التنقل لكوادر حركة فتح في قطاع غزة ووقف التضييق على عمل مؤسسات حقوق الإنسان والمراكز والمنتديات الشبابية والثقافية في الضفة والقطاع.

وفي خطوة لافتة تعزز صدقية القضاء الفلسطيني على الرغم من الأوضاع السلبية الآنفة الذكر، فقد أصدرت محكمة العدل العليا قراراً بإلغاء قرار مجلس الوزراء بتأجيل الانتخابات المحلية، الذي لقي ترحيباً واسعاً من الفصائل والقوى السياسية والقوائم الانتخابية والمنظمات الحقوقية.

وأمام التشدد الإسرائيلي وتجاهل قوى دولية نافذة وبعض الحكومات العربية الملف الفلسطيني يجدر بالفلسطينيين الإسراع بالمصالحة، والاستفادة من حلفائهم التاريخيين في المنطقة والعالم.

العدد 938 - 02/12/2020