دافعوا عن الرغيف
عندما قال السيد المسيح (ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان)، فهذا تأكيد لعدم تغليب الحياة المادية على الروحية، أو الاهتمام بالحياة الدنيوية على حساب الحياة الروحية. فالخبز في سورية المادة الأساسية على المائدة، وبدونه تظل ناقصة وحزينة.
لقد فرضت الأزمة علينا القول (دافعوا عن رغيف الخبز). فأزمة الرغيف تهبّ بين حين وآخر كالعاصفة، خاصة حينما تضاف إلى أزمات أخرى أبرزها(المازوت والغاز وارتفاع أسعار المواد وفقدان بعضها)، بسبب الحصار الاقتصادي والاحتكار والفساد واستغلال (جماعة الأزمات). وغيرها.
إن سورية واحدة من عشرات الدول التي تحافظ على الأمن الغذائي، خاصة تأمين إنتاج الحبوب لسنوات عدة ومستلزمات زراعتها أيضاً. وهذا شيء يعترف به المواطن السوري والمنظمات الأممية.
وإذا تفاقمت أزمة الرغيف وطال أمدها، التحقت بها صناعة المعجنات، وسيؤدي هذا في النتيجة إلى إفرازات أخرى تشكل ضرراً كبيراً على أوسع شرائح المجتمع من الفقراء والمتوسطين. فالرغيف ضيف دائم على مائدة السوريين. وإذا حضر زال الكثير من هموم رب الأسرة وكانت الدنيا بألف خير.
لقد تفاقمت أزمة الرغيف منذ فترة، وهي تتكرر بين حين وأحايين أخرى. وانعكس ذلك سلباً على حياة المواطن المعيشية اليومية. ويحدث الاستنفار اليومي في (الليل والنهار) لطاقم الأسرة كله لتأمين ربطة الخبز ولو كان سعرها مئة ليرة. إن أية مادة أو سلعة تصل إلى السوق السوداء، ويمارس الجشعون سياسة الاحتكار ومضاعفة أرباحهم، فيمكن وصف هؤلاء بالجبناء، الذين يتحينون الفرص لممارسة اضطهادهم واستغلالهم.
إن السبب الرئيس هو قطع الطرق بين المدن والمناطق، من قبل الجماعات المسلحة الإرهابية التكفيرية، واقتحام المطاحن وقتل العمال وتهريب الطحين إلى تركيا وبيعه بأقل الأسعار. ويضاف إلى ذلك تفجير أنابيب النفط وحرمان الأفران من الوقود لصناعة الرغيف. ومن الأسباب الموضوعية (الاستراتيجية)، عدم التوزيع العادل لصوامع الحبوب، فهي في معظمها تتركز في المناطق الشمالية والشرقية(مناطق زراعة القمح)، فيخزن فيها أكثر من ثلثي الإنتاج والثلث الباقي في بقية المحافظات. والمثال الحي على ذلك ما جرى مؤخراً في رأس العين، عندما دخل من تركيا ألوف الإرهابيين وحرقوا صوامع الحبوب وسرقوها.وهناك أسباب أخرى (ملحقة) تتمثل في عملية الاحتكار التي يقوم بها ضعاف النفوس الذين يستغلون حاجة المواطن والأزمات ليجنوا الأرباح على حساب قوت المواطنين وقوت أبنائهم. وهذا هو جشع واستغلال فئة قليلة باعت القيم والأخلاق بأبخس الأثمان. ولا بدَّ من التذكير بالهجرة الداخلية بين المدن، وزيادة الطلب على الخبز، وارتفاع سعر ربطة الخبز كما في مدينة الرقة إذ بيعت بمئتي ليرة. وفي دمشق قفز سعرها من أربعين ليرة إلى مئة ليرة في بعض المناطق. كيف كُنَّا وكيف أصبحنا؟ يقول مواطنون. ويذكر هؤلاء ونذكر نحن ومن عاصر حرب تشرين (1973) كيف كان الكبار والصغار يصطفون بأرتال مستقيمة ليحصل كل واحد على حصته من الخبز.. ونرى الآن الازدحام غير المبرر أحياناً. ومن يوزع أبناءه على الأفران ليحصل على ربطات عدة تكفي سكان بناية مؤلفة من اثنتي عشرة شقّة. لماذا لا يقتدي المواطن (الغيور) بالياباني الذي يأخذ حاجته فقط من المواد أثناء تعرض مدينته للزلزال؟
لقد رسَّخت السياسة الاقتصادية الليبرالية في ظل المجتمع الاستهلاكي، الفردية (الأنا) والنفعية الذاتية وانحطاط القيم التي كانت من أساسيات سلوكنا. ومن واجباتنا الوطنية خاصة في الأزمات، أن ندافع عن رغيف الخبز ونكسر طوق الاحتكار. وأن نفعّل دور جمعية حماية المستهلك في جميع المدن والقرى والمناطق والأحياء، كي يشعر المواطن السوري أن هناك من يدافع عنه وعن لقمته، وأن لا خوف على فقدان رغيف الخبز. وسنعبر الأزمة وإن طالت.