الكثبان الرملية في القارة السمراء

جذبت قارة إفريقية أنظار دول أوربية عدة، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الآسيوية، لغناها بالثروات الباطنية والنفطية، خاصة هضبة البحيرات (منابع النيل) التي تشرف على إحدى عشرة دولة.

ولم تنسَ فرنسا أنها كانت دولة استعمارية مهيمنة، وظل حكامها يهجسون بالعودة إلى مالي وغيرها. ويستعيدون ذكرياتهم المتجلّدة منذ أواخر القرن التاسع عشر، عندما استولت فرنسا على مالي، وجعلتها جزءاً من السودان الفرنسي (وهي ليست جمهورية السودان الحالية)، والتي نالت استقلالها عام 1959 ، وكوَّنت مع السنغال (اتحاد مالي).

إن مالي الدولة الفقيرة في صناعتها وفي زراعتها، الغنية بالذهب وكأول دولة في إفريقية باستخراجه. الغنية أيضاً بالنفط والغاز واليورانيوم وبحجر المالاكيت النفيس والملح، تمتد على مساحة مليون وربع مليون كيلومتر مربع. ويبلغ عدد سكانها أربعة عشر مليوناً ونصف مليون نسمة، منهم ثلاثمئة ألف عربي. ويقطن العاصمة (باماكو) ستة ملايين نسمة. وهي منطقة معقدة جغرافياً وديموغرافياً. لها حدود مع الجزائر من الشمال، ومع النيجر من الشرق. وساحل العاج من الجنوب، وموريتانيا من الغرب، وغينيا من الجنوب الغربي.

لقد تسرّع رئيس فرنسا واتخذ قراراً منفرداً، بشن الحرب على المجموعات المسلحة، لأنه القائد الأعلى للقوات المسلحة. وعانت الجزائر الإرهاب في سنوات سابقة. وقد أغلقت 200 كيلومتر من حدودها مع مالي، وسمحت للطائرات الحربية الفرنسية بعبور أجوائها، واستقبلت ربع مليون نازح من مالي.

إن هولاند منذ مجيئه إلى الإيليزيه، يتصوَّر أنه السياسي الفرنسي الوحيد المحنّك والبارع والعسكري المقدام، الذي يدعم الإرهاب في سورية، ويحاربه في مالي. وهو الرجل الذي يجمع المتناقضات، لكنه لن يربح لا هذه ولا تلك! ورفض نصائح أصدقائه الأمريكيين والأوربيين، الذين نبّهوه إلى عدم الإقدام على هذه المغامرة. وكأنه لم يقرأ تجارب الولايات المتحدة في الصومال والعراق وأفغانستان، والتجربة الفرنسية نفسها. والخسائر البشرية والمادية التي منيت بها في حروبها السابقة والحالية.

ويبدو أن الولايات المتحدة، كما يرى بعض الباحثين في استراتيجية الحرب، قد استفادت من الدروس أكثر من غيرها. وتريد أن تُريح جيشها من مغامرة طويلة في إفريقية، وليس في مالي فقط. ولا تريد أن تخسر جيشها في متاهات الصحراء الإفريقية وفي رمالها المتحركة. وتقديم مزيد من التضحيات البشرية والمادية، خاصة أنها تعيش أزمة مالية واقتصادية منذ عام 2008 ، وحملت لها الكوارث الطبيعية الكثير من المصاعب.

لقد تخلّت أوربا عن فرنسا في مالي. وبدأت أقدام الجنرالات تغرق في رمال الصحراء وكثبانها. ويبحث الرئيس الفرنسي عن مخرج. وبدأ يستعطف دول الخليج العربي، لمد يد المعونة له وتقديم الأموال. فالحرب ليست رحلة في متنزهات إفريقية، أو على شواطئ لازوردية، إنها مواجهة سيطول أمدها بين صانعي الإرهاب (فرنسا والمجموعات المسلحة). والطرف الثالث هو الجيش المالي الذي يبلغ عديده 12000 جندي فقط وهو أضعف جيش في كل إفريقية.

ويواجه الجيش الفرنسي، الحركة الوطنية لتحرير إقليم أزواد، الذي يمتد على كامل الحدود الموريتانية الشرقية. وخمس مجموعات مسلحة هي:

* حركة أنصار الدين،وهي حركة سلفية مسلحة تسعى إلى تطبيق الشريعة الإسلامية.

* القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، التي انبثقت عن الجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر.

* حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقية، التي تنشط في المناطق الشمالية. وقد انبثقت عن تنظيم القاعدة.

* كتيبة أنصار الشريعة.

* كتيبة (الموقعون بالدماء).

العدد 1194 - 15/04/2026