حل سلمي سوري سوري
تكاثفت غيوم السياسة في مطلع العام الجديد، وهطل المطر والثلج وغمر الفرح الوطن والناس والأرض، رغم الجراح ونزف الدماء والبرد القارس والبحث عن المازوت والغاز ونور الكهرباء.. هذه هي العناصر الثلاثة التي إن وجدت أوجدت الغبطة في نفوس الناس أجمعين، خاصة أن المبادرة السورية بيَّنت بوضوح موقف الحكومة السورية من الأزمة التي تعصف بالبلاد منذ اثنين وعشرين شهراً. ووضعت خريطة طريق للحل السياسي خلال مراحل ثلاث. والتأكيد على الحوار وعقد المؤتمر الوطني الذي يجمع تحت سقفه جميع مكوّنات الطيف الوطني السوري، وإصدار الميثاق الوطني الذي يرسم معالم طريق مستقبل سورية.
وتباينت ردود الفعل بعد دقائق على خطاب رئيس الجمهورية، سواء في الشارع الجماهيري أم في وسائل الإعلام الإقليمية والدولية المؤيدة والمعارضة. ومن الطبيعي جداً أن تظهر الآراء المتوافقة والمتعارضة، وأن تفترق الرؤى في دروب مختلفة، وألاَّ تكون الرؤية السياسية واحدة بين الأعداء والأصدقاء.
لقد شوش المبعوث الأممي والعربي الأخضر الإبراهيمي على المبادرة السورية، وكشف عن نوايا مبطَّنة لم تظهر خلال الشهور السابقة. وكانت تصريحاته غامضة في معظمها بحجة التمهّل في الإعلان عن موقف واضح من الدول الداخلة في حل الأزمة، وعدم التسرّع قبل الحصول على آراء روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الإقليمية.
وعادت الحيوية والنشاط في هذه الأيام إلى الدول الأربع(إيران ومصر والسعودية وتركيا). وجرى عقد لقاءات ثنائية بين وزراء الخارجية، وذلك لبحث الأزمة السورية ووضع الاقتراحات المناسبة. ومن أبرز النقاط الواجب تأكيدها: أن يكون الحل السياسي سورياً- سورياً. وأن الشعب السوري هو الذي يقرر مصيره وينتخب ممثليه. وعدم التدخل الخارجي في شؤون سورية الداخلية. وأعلنت هيئة التنسيق الوطنية عن إطلاق مبادرة تتألف من خمس نقاط، وثمانية إجراءات. فمن جهة تؤكد المبادرة على بيان جنيف، والحاجة إلى(جنيف2). وتدعو إلى تشكيل قوات حفظ السلام من جهة ثانية. وتساوي بين من يرتبط بالخارج بالمال والسلاح والإعلام، وما يسمى(الجيش الحر)، وبين الجيش السوري. وذلك بتشكيل مجلس عسكري على أن يخضع للحكومة الانتقالية. وتنحصر مهمته في إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية.. وفيها العديد من البنود والأفكار التي تتناقض في الجوهر مع المبادرة السورية، وتتقاطع مع خطة (الائتلاف الوطني). هذه الخطة منسجمة تماماً بأبجديتها السياسية مع الموقف الأمريكي والأوربي والخليجي، علماً أن هناك تغيراً تدريجياً في بعض المواقف الإقليمية بإيعاز من (المعلمين الكبار).
لقد انخفضت الحرارة الجوية إلى ماتحت الصفر، وارتفعت الحرارة السياسية في لقاء جنيف(الجمعة 11 كانون الثاني)، وهو اللقاء الثالث الذي يجمع نائب وزير الخارجية الروسي ومساعد وزيرة الخارجية الأمريكية والسيد الإبراهيمي. وهذا هو جنيف2 الذي يهدف لتفعيل بيان جنيف في حزيران الماضي، وأن نتائج المباحثات أكدت الحل السلمي واعتماد وثيقة جنيف.. وجرى أيضاً التطرق إلى المرحلة الانتقالية ومتطلباتها.
هناك من يرى أن صعوبات كثيرة تواجه اللقاء الثلاثي في جنيف. وظهرت بوادر هذه الصعوبات عشية موعد الاجتماع. وقد انتقد السيد الإبراهيمي المبادرة السورية وقال (إنها تكرار لمبادرات سابقة لم تنجح).
هل هذه التصريحات تستبق الإعلان عن فشل الإبراهيمي؟ وهل هي دعوة للاستقالة؟ علماً أن الولايات المتحدة بدأت تضغط على الدول التي تقدم دعمها للمسلحين، وهي التي أعلنت أن (جبهة النصرة) منظمة إرهابية. أما موسكو فأكدت موقفها الثابت من الأزمة السورية.
إن حل الأزمة السورية سيكون حلاً سورياً، ينطلق من الحفاظ على السيادة الوطنية وعلى القرار الوطني. وأن القوى الوطنية السورية بجميع أطيافها، هي القادرة على إيجاد الحل السياسي والانتقال بسورية إلى الدولة المدنية الديمقراطية.