الأزمة السورية من الإطاحة بالأشخاص إلى تدمير المخططات
بعد الإخفاقات المتكررة التي منيت بها المجموعات المسلحة في سورية، وعقب النجاحات المستمرة للجيش العربي السوري والأجهزة الأمنية في إفشال الكثير من المخططات التي يراد لها أن تسهم في سفك المزيد من الدم السوري، وتدمير مقومات الدولة في سورية. بعد هذا كله كان لابد للمجموعات المسلحة، بأمر من مشغليها الخارجيين، أن تغيّر من أساليبها وتكتيكاتها العملانية، كما أنه غدا من الضروري لها أن تزيح أولئك الذين فشلوا في تحقيق ما كُلّفوا به من مهمات من قبل دولهم وأجهزة الاستخبارات الغربية المسيّرة لأنظمة الحكم في دولهم، كما هو حال السعودي بندر بن سلطان. إذ تؤكد المعلومات أن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري طلب في زيارته إلى السعودية التي جرت مطلع شهر تشرين ثاني ،2013 إزاحة بندر بن سلطان عن إدارة الملف السوري، بسبب فشله في تحقيق المهمات المناطة به. وفي إشارة إلى جدية واشنطن في هذا، قطعت المخابرات الأمريكية (سي.أي.إيه) تبادل المعلومات مع المخابرات السعودية، في رسالة واضحة إلى الحكام في الرياض بعدم رغبتها في رؤية بندر بن سلطان في رئاسة المخابرات السعودية وفي إدارة الملف السوري داخل العائلة المالكة السعودية، قبل أن يتم إبعاده إلى الخارج بذريعة العلاج.
وذكرت مصادر صحفية مطلعة من العاصمة الفرنسية باريس أن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما غاضبة جداً من مواقف بندر بن سلطان في الملف السوري، وهناك قناعة لدى الإدارة الأمريكية أن بندر بن سلطان يدير الملف السوري خلافاً لسياسة إدارة أوباما، بتواطؤ واتفاق مع المحافظين الجدد في واشنطن الذين يسعون لإفشال سياسة أوباما في كل ما يتعلق بسورية وإيران وحتى روسيا في آسيا الوسطى وفي الشرق الأوسط. كما حرص كيري خلال زيارته على الاجتماع بوزير الداخلية السعودي محمد بن نايف بن عبد العزيز، وأبلغ المسؤولين السعوديين أن الولايات المتحدة ترغب في أن يستلم محمد بن نايف الملف السوري في المملكة بدلاً من بندر بن سلطان.
وتسعى إدارة أوباما بهذا القرار إلى وقف اعتراض السعودية على تقاربها مع إيران ومع روسيا، وذلك بلعب ورقة الصراعات الداخلية داخل العائلة السعودية الحاكمة التي تشهد تقاسم حصص وإعادة ترتيب أوضاع داخل الحكم بسبب الوضع الصحي للملك عبد الله ،وعدم وضوح الرؤية لمن سوف يكون منصب ولاية العهد وتوزيع الحصص داخل بيوت العائلة بعد غياب عبد الله، وكانت واشنطن قد استقبلت محمد بن نايف بترحاب كبير خلال زيارة رسمية قام بها منذ عدة أشهر إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
ويذهب البعض إلى أن إبعاد الأمير بندر عن الملفين السوري واللبناني يؤكد أن السعودية بدأت تميل أكثر إلى الحل السياسي، لاسيما بعد تلقيها ضربتين موجعتين، الأولى الاتفاق النووي الإيراني الأمريكي، والثانية الاتفاق الروسي الأمريكي حول نزع الأسلحة السورية الكيماوية، وإلغاء الضربة العسكرية الأمريكية التي كانت مقررة في حينها. وثمة تحالفاً ثلاثياً قوياً يدير الحكم حالياً في المملكة، ضلعه الأول محمد بن نايف وزير الداخلية، والثاني متعب بن عبد الله رئيس الحرس الوطني، والثالث خالد التويجري بوابة الملك عبد الله بن عبد العزيز ومدير مكتبه، وتتردد أنباء غير مؤكدة أن هذا الثلاثي لم يكن راضياً عن التورط العسكري السعودي في سورية، ويبدو أن وجهة نظره هذه انتصرت في نهاية المطاف بإبعاد بندر بن سلطان عن الملف السوري. ويدعم هذه الرؤية إصدار المملكة قوانين الإرهاب التي تجرم كل من يروج لإصلاحات سياسية، أو ينتقد النظام الأساسي للحكم بالسجن لفترات تصل إلى 15 عاماً، وإتباعها بمرسوم ملكي يمنع جهاد السعوديين في خارج المملكة ويعاقب من سينخرط فيه بالسجن لمدة تتراوح بين خمسة أعوام وعشرين عاماً، هذا فضلاً عن الكثير من البرامج التلفزيونية المنتقدة لرجال الدين كما هو حال برنامج الإعلامي السعودي داود الشريان على قناةmbc.
هذا التغيير المفاجئ في موقف المملكة جاء بعد ورود تقارير صحفية واستخباراتية تشير إلى وجود عشرة آلاف سعودي يقاتلون على الأراضي السورية ويتوزعون على عدة تنظيمات متطرفة كالنصرة وداعش وأحرار الشام وغيرها، الأمر الذي شكل رعباً حقيقياً للحكام في المملكة من عودة هؤلاء إلى البلاد مكتسبين خبرات ومهارات قتالية من شأنها أن تزعزع أنظمة الحكم في هذه الدولة أو تلك من دول الخليج. ويؤكد هذا جملة من التقارير التي أحيطت بها القيادة السعودية علماً، والتي تفيد بأن المملكة هي الدولة التالية بعد سورية التي ستتعرض لاضطرابات داخلية وربما ثورة شعبية، تحت عنوان الربيع العربي، وأن الشباب السعودي (المجاهد) في سورية سيلعب دوراً كبيراً في هذه الثورة. لاسيما أن بعض هذه التقارير تذهب إلى أن عدداً من الدول الخليجية والإقليمية التي أشعلت الحرب في سورية وسلحت الانتفاضة السلمية وعسكرت ماسمي ب(الثورة السورية) هي التي تقف خلف المشروع القادم لنقل (الثورة) من سورية إلى السعودية، وجرى تسمية دولتين هما تركيا وقطر، وهذا ما يفسر العداء المتصاعد حالياً في السعودية ضد الأخيرة.
ومع هذا كله يجب أن لا نستبعد إمكانية قيام عدوان جديد على سورية انطلاقاً من الجبهة الجنوبية، لاسيما بعد زيارة ملك الأردن لأمريكا ولقائه المطول بأوباما، وزيارة رئيس الوزراء الصهيوني للمصابين من المسلحين في سورية في أحد المشافي الصهيونية، وذلك للرفع من معنوياتهم وحثّهم على الاستمرار في طريقهم، والتأكيد على تقديم كل أنواع الدعم المادي والمعنوي والاستخباراتي والقتالي لهم، والحقيقة أن العملية العسكرية للجيش السوري في القلمون، وإحكام الحصار على المسلحين في يبرود، لاسيما بعد نجاح الجيش السوري وحلفائه في إغلاق ما يزيد على عشرة معابر غير شرعية مع لبنان، سيكون الدافع الأهم لأي هجوم جديد للمسلحين انطلاقاً من الجبهة الجنوبية، عبر اختراق البادية، والالتحام مع مقاتلي (الجبهة الإسلامية) في المنطقة، والاندفاع نحو الغوطتين الشرقية والغربية، والتقدم نحو خطوط إمداد الجيش السوري فيها لإرباك معاركه في القلمون. إلا أن المعلومات تؤكد أن مثل هذا الهجوم لن يكتب له النجاح، لاسيما أن الجيش السوري كان أفشل هجوماً مماثلاً على الغوطة ودمشق قبل أربعة أشهر، الأمر الذي جعله يكتسب خبرة إضافية ويسدُّ كثيراً من الثغرات التي وقعت أثناء ذلك الهجوم الفاشل.