الملف النووي الإيراني.. جولة مفاوضات جديدة واحتمالاتها

انتهت جولة جديدة من المفاوضات الإيرانية مع اللجنة الدولية السداسية (5+1) حول الملف النووي الإيراني، في العاصمة النمساوية فيينا، دون التوصل إلى حلول للقضايا العالقة بين الطرفين. وإن كانت قد شهدت تباينات في مواقف دول اللجنة السداسية، ومرونة مبدئية إيرانية أيضاً، وهذا ما أظهرته نقاط الخلاف العالقة بين الجانبين، والمتلخصة في مستوى تخصيب اليورانيوم، وعدد الطرود المركزية، وآلية عمل مفاعل (آراك) النووي، مقابل استمرار برنامج تخفيف العقوبات الاقتصادية الغربية و(الدولية) على إيران، وصولاً إلى إلغائها.

وتميزت هذه الجولة عن سابقاتها المحددة سلفاً بستة شهور، بتحديد طبيعة نقاط الخلاف من جهة، والتباين غير القليل في مواقف الدول الغربية الأعضاء في اللجنة السداسية من جهة ثانية، وخاصة بعد أن أوقفت إيران طوعاً تخصيب اليورانيوم بنسبة 20% وفق لحاجاتها. واستمرت بتخصيبه بنسبة 5%، فهي تعتقد أنها تلبي احتياجاتها الحالية من الطاقة النووية السلمية، كما أنها لم تزد بنسبة مثيرة للجدل أجهزة الطرود المركزية، وقدمت اقتراحات عديدة بشأن آليات عمل مفاعل آراك النووي المختلف عليه مع الغرب عموماً.

هذا في الوقت الذي لم ترفع فيه العقوبات الاقتصادية التدريجية عن إيران، كما هو متفاهم عليه على الأقل، وظلت في حدودها الدنيا والأولية.

وخلافاً للجولات السابقة، على أهميتها، التي استؤنفت مجدداً بعيد مؤشرات غربية عديدة، وضغوط دول أخرى في السداسية، إضافة إلى ما شكلته نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية، وفوز المعتدل حسن روحاني، من مخرج للفرقاء جميعاً، فإن نتائج هذه الجولة لم توصل إلى تقدم يمكن البناء عليه، بانتظار استئنافها مطلع شهر تموز الجاري، وقبيل الجولة الختامية المقررة في 20 تموز، المتفق عليها بين السداسية وإيران.

لم تؤدِّ الجولات التفاوضية الماراثونية إلى حلول مقبولة من الطرفين، رغم تأكيد إيران سلمية برنامجها النووي، وإبداء المرونة فيما يتعلق بالمفاعلات النووية لديها المخصصة لإنتاج الطاقة والشؤون العلمية البحثية. وقدمت في هذا السياق العديد من الضمانات التفاوضية والعملياتية، مؤكدة في الوقت نفسه حقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، بوصفها عضواً في الوكالة الدولية للطاقة الذرية أولاً، وأنها التزمت وماتزال بالبروتوكولات الإضافية للوكالة ثانياً، وأنها منفتحة على التفاوض على هذا الأساس ثالثاً. وأشارت مراراً إلى ضرورة الاستفادة الدولية من هذه المرونة المبدئية، وترجمتها بخطوات مقابلة ترفع العقوبات دونما إبطاء.

وهذا ما أكدته اللقاءات الثنائية التي سبقت مفاوضات فيينا، الأمريكية – الإيرانية، والروسية – الإيرانية، والتي أشرت أيضاً إلى نتائج جولات فيينا أيضاً، وما تمثله هذه اللقاءات من انعطافة هامة في سياق معالجة الملف النووي الإيراني، وكيفية التعاطي معه أمريكياً وغربياً أيضاً. إذ إن اللقاء الأمريكي – الإيراني يمثل أول اللقاءات الرسمية بين الجانبين منذ عقود، فيما يشكل اللقاء الروسي – الإيراني، امتداداً للعلاقات التقليدية التي شابها بعض المنغصات عام2010 حول العقوبات الاقتصادية وغيرها على إيران. كما يحكم الجانبين الإيراني – السداسي (الدولي) روزنامة زمنية محددة تنتهي في 20 تموز الجاري، أي أن الاحتمال قائم بالوصول إلى حلول أولية مرضية، أو تمديد المعارضات مدة مؤقتة ولكل إشكالياته.

ولم تلقَ اهتماماً كبيراً التصريحات الإسرائيلية الأخيرة الصادرة عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ومحاولة المقاربة بين السلاح الكيميائي السوري وتفكيك مكوناته، والبرنامج النووي السلمي الإيراني. إذ أعلن الرئيس السوري بشار الأسد قبيل توصل سورية إلى اتفاق مع البعثة الدولية  الخاصة بالسلاح الكيميائي، أن سورية أوقفت إنتاجه منذ عام 1998 بعد أن استوفى أغراضه، وأن لدى سورية قدراتها الأخرى التي لا تشمل السلاح الكيميائي. وتطالب في الوقت نفسه بنزع هذا السلاح والسلاح النووي أيضاً من منطقة الشرق الأوسط، وجعلها منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل. في الوقت الذي تؤكد فيه إيران سلمية برنامجها النووي، والتزامها بأنظمة ولوائح وكالة الطاقة الذرية الدولية، وتطالب أيضاً بجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة التدمير الشامل، فيما ترفض إسرائيل الانضمام إلى معاهدة حظر انتشار السلاح الكيميائي والنووي، ولا تسمح لمفتشي وكالة الطاقة الذرية بزيارة مفاعلاتها وترساناتها النووية العسكرية. وبانتظار جولة المفاوضات القادمة (السداسية)- الإيرانية، فإن الواضح للجميع أن إيران أفشلت برنامج العقوبات، على مرارته وعلاته، وأن هذه الورقة التي استخدمت وسيلة ضغط، فقدت مهمتها، وإن لم يكن تماماً، وأن مسألة (التوافق) باتت تهمّ الجميع، وهذا ما أثبتته مفاوضات فيينا، واللقاءات الثنائية التي سبقتها أيضاً.

العدد 1194 - 15/04/2026