أهلاً بعودة مصر العروبة

اليوم تعود مصر مجدداً بأصالتها إلى حضنها العربي، الذي حاول حكم الطغيان باسم الدين خطفها منه وعزلها عنه.

قبل عام واحد استغل الإخوان المسلمون الانتفاضة الشعبية ضد حكم التبعية والاستبداد والفساد لحسني مبارك، والطامحة أصلاً إلى الحرية والكرامة وإقامة الدولة الديمقراطية المدنية، فخاضوا الانتخابات التي جرت، مستفيدين من كراهية الجماهير لفلول النظام البائد من ناحية، وعدم تمكن القوى الوطنية والليبرالية والتقدمية بعد من لمِّ شتاتها وتنظيمها وحشد قواها خلال الفترة القصيرة بين سقوط نظام مبارك وإجراء الانتخابات من ناحية ثانية. في الوقت الذي كان الإخوان يشكلون القوة الأكثر تنظيماً واستعداداً، واستفادة من الحاضنة المتخلفة والمتدينة، وخصوصاً في الريف المصري. فضلاً عن الدعم السياسي والمالي الهائل من بعض القوى والدول الخارجية، وبضمنها الولايات المتحدة وتركيا وبعض الدول العربية وخاصة قطر، فكان أن فاز ممثل الإخوان المسلمين محمد مرسي بفارق ضئيل من الأصوات على منافسه آنذاك أحمد شفيق.

عام واحد فقط كان كافياً ليفصح الإخوان المسلمون في مصر عن توجههم الظلامي والانعزالي، ولتكتشف الجماهير المصرية، أن شعارات الديمقراطية لم تكن بالنسبة لهم سوى حصان طروادة لجرّ مصر العربية نحو مزيد من التبعية والتخلف والاستبداد ونحو التمهيد لإقامة خلافة إسلامية وفق تصورهم لها.

فانفردوا بصياغة دستور مشوه وفق مقاسهم، ومارسوا الاستئثار بالسلطة على نحو لم يسبق له مثيل، وسعوا إلى (أخونة) التشريعات، والسيطرة على جميع مؤسسات الدولة وإداراتها، وبضمنها الجيش والأجهزة الأمنية، واعتدوا على القضاء وحاولوا تهميشه، وسعوا إلى الضغط على الإعلام الرسمي والحر. وامتهنوا المرأة والمثقفين، واستشرى العنف بتشجيع منهم، وبضمنه الطائفي ضد المسيحيين والشيعة.

ولم يعجزوا عن حل أي من القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تعانيها البلاد وحسب، بل وتفاقمت هذه القضايا أكثر من أي وقت مضى، وبضمنها العجز التجاري . فهربت الرساميل، وارتفعت نسبة البطالة وتراكمت المديونية أضعافاً عما كانت عليه أيام مبارك، واختفى السياح، وازداد الوضع الاقتصادي والمعيشي للجماهير سوءاً على سوء وفقراً على فقر.

وبدت تبعية مصر للولايات المتحدة أكثر التحاماً، واطمأنت إسرائيل إلى ثبات المعاهدات والاتفاقات معها، وخضعت سياسة مصر بشكل مطلق للتبعية القطرية في جميع قضايا المنطقة، وخاصة ما يتعلق منها بالأزمة السورية، وقد رعى مرسي بالذات مؤتمراً (إسلامياً) قرضاوياً للتحريض الطائفي في المنطقة كلها، وقام أخيراً بقطع العلاقات مع سورية، وفتح أبواب الجهاد إليها، بل وحاول جر الجيش المصري إلى التدخل عسكرياً ضدها، فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير.

لقد خان الإخوان المسلمون الثقة التي أولاهم إياها الناخبون المصريون.. وإذا كان محمد مرسي قد حاز على اثني عشر مليوناً من الأصوات في الصندوق، فقد جمع الشباب ما يزيد على اثنين وعشرين مليوناً من التواقيع التي تطالب برحيله، واحتشد في الثلاثين من حزيران أكثر من سبعة عشر مليوناً في ساحات المدن المصرية وشوارعها في مظاهرة لم يعرف لها التاريخ الحديث مثيلاً، في إصرار على إسقاط حكم الإخوان المسلمين، مهدرين بذلك (شرعية) الصندوق بشرعية الشارع الشعبي. لقد هرول الإخوان المسلمون لتحقيق أهدافهم أكثر مما ينبغي، فحاقت بهم القاعدة التي تفيد (بأن من استعجل أمراً قبل أوانه عوقب بحرمانه).

وكان أن رضخ الجيش المصري ونفذ إرادة الجماهير المعتصمة في الساحات، بعد أن حاول هذا الجيش جهده إقناع مرسي بالتوصل إلى تسوية وحلول وسط. إلا أن تعنت الأخير وغطرسته بضغط من صقور الإخوان ورفضه أي مشاركة مع الآخرين، اضطرت الجيش إلى اتخاذ الإجراءات التي تحول دون وقوع الاصطدام بين القوى المتعارضة في الشارع، والتي يمكن أن تعيد الأمور إلى نصابها وتفسح في المجال لحكم مدني من خلال دستور جديد وانتخابات جديدة. وإذا كانت الجماهير قد رحبت بتدخل الجيش وإنقاذ البلاد من أزمتها، فإن ذلك لا يعني قبولها مجدداً بحكم الجيش، وهي التي سبق أن هتفت طويلاً (يسقط ..يسقط حكم العسكر).

إن من أهم العوامل التي أدت إلى نجاح هذه الانتفاضة التاريخية هو الدور البارز الذي لعبه فيها الشباب المصري الثائر والمرأة المصرية المنتفضة، وكذلك وحدة عمل جميع القوى السياسية الوطنية واليسارية والليبرالية المعارضة لحكم الاستبداد الديني، وإصرار هذه القوى على الحراك السياسي والسلمي البحت رغم محاولات الإخوان جرها إلى ممارسة العنف بشتى الأشكال.

وإذا كانت الاحتمالات الخطرة جميعها لا تزال قائمة، وبضمنها سعي القوى الأكثر تطرفاً بين الإخوان المسلمين في مصر وبدعم من قوى خارجية إقليمية ودولية التوجه نحو العنف، وخاصة المسلح، والقيام بأعمال إرهابية وتوتير طائفي في البلاد، وإذا كانت قوى إقليمية ودولية ستسعى مجدداً إلى حرف الانتفاضة عن مسارها ودفع الأمور بما يخدم مصالحها، فمن المؤكد أن الشعب المصري العظيم سيتمكن، بوعيه وثباته، من إحباط هذه المحاولات ودحر القوى الساعية إليها، ووضع مصر على سكة الأمن والسلامة والتقدم. وتبقى المهمة الأساس هي الانتقال السلمي وبأسرع ما يمكن نحو المصالحة الوطنية، وإقامة الدولة الديمقراطية المدنية بجميع مقوماتها الدستورية، وبمشاركة مكونات المجتمع الأهلي المصري الوطنية والسياسية كافة، وبضمنها الإخوان المسلمون، من أجل ضمان مجتمع الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، واستعادة دور مصر العروبة في الصراع العربي الإسرائيلي.

ولا شك أنه سيكون للملحمة المصرية تبعات وآثار وانعكاسات مباشرة وغير مباشرة على جميع شعوب المنطقة ودولها. إلا أن أهم الاستنتاجات والعبر التي يمكن استخلاصها من هذه الملحمة المصرية اليوم هي:

* إن طموح الشعوب، وفيها شعوبنا العربية، إلى الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية هو طموح مشروع وثابت، لا رادّ له، والنصر له في كل مكان طال الزمان أم قصر، مهما حاولت أي قوة أو حزب أو فئة أو جماعة، وتحت أي شعارات أو ذريعة، أن تعرقل أو تقف في وجه هذا الطموح.

* إن مقولة (الدين لله والوطن للجميع) بمعنى فصل الدين عن الدولة، تبقى هي المقولة الأكثر صحة وقابلية للتطبيق من محاولة إقحام الدين في السياسة.. وإن الموقف الإيجابي من الدين والمتدينين شيء، وهو أمر لا خلاف عليه، والسعي لاستغلال الدين لأهداف وغايات سياسية أو حزبية ضيقة شيء آخر مرفوض تماماً.

* إن كل قوة أو حزب، مهما بلغ من القوة أو الشعبية، لا يحق له أن ينفرد أو يستأثر بالسلطة، ويلغي جميع القوى والفئات الأخرى. فالوطن لجميع أبنائه ومكوناته الاجتماعية والطبقية والدينية والمذهبية والعرقية والسياسية والحزبية.. وكل محاولة في غير هذا المنحى فاشلة حتماً عاجلاً أم آجلاً.

إن إمكانية نجاح أي حركة شعبية وانتصارها يتوقف بشكل أساسي على مدى ثقتها بنفسها، واعتمادها على قواها الذاتية الداخلية، وتلاحم هذه القوى، لا على دعم القوى الخارجية واستجدائها المال والسلاح والتدخل العسكري من تلك القوى.

* إن الأوّلية تبقى للموقف الثابت والحازم من القضية الوطنية في بلادنا، والتي يشكل محورها الوقوف في مجابهة جميع محاولات الإمبريالية والصهيونية للسيطرة على مقدرات شعوبنا العربية السياسية والاقتصادية، والسعي بكل الوسائل من أجل تحرير جميع الأراضي العربية المحتلة.

* إن ثبات الموقف الوطني وقوته يرتبط ارتباطاً وثيقاً، ويتوقف إلى حد كبير على مدى الاعتماد على الجماهير الشعبية وقواها الوطنية، وإشاعة أوسع ما يمكن من الديمقراطية في جميع نواحي المجتمع، وتطبيق مبادئ حقوق الإنسان في الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية.

* إن للجيوش في البلدان المتخلفة دوراً هاماً لا يمكن إنكاره أو إغفاله، بحيث يمكن أن تلعب في هذه البلدان دوراً وطنياً ومنسجماً مع رغبات الجماهير الشعبية ومصالحها أو عكس ذلك، وفق الدرجة التي تتمتع بها من الحس الوطني الصحيح، والارتباط بهذه الجماهير ومطامحها.

هنيئاً لشعب مصر العظيم بانتصاره، وإننا على ثقة بأن بطولاته وتضحياته ودماء شهدائه لن تذهب هدراً، وستزهر الربيع الحقيقي المنشود.

العدد 938 - 02/12/2020