ماذا يأكل الفقير؟ المستهلكون يشعرون بإحباط كبير من التحليق السريع للأسعار فهلا وجد لهذا المرض عقار؟

إحباط كبير يشعر به المستهلك إزاء عدم رحمة الأسعار بدخله الهزيل، ففي مصادفة عابرة أثناء توجهي إلى بلدتي، وبعد أن دفع كل شخص تعرفة ركوب بلغت 100 ليرة، جلست بين رجلين كبيرين في السن، أخذا يتداولان الأحاديث عمّا يجري في أسواقنا من ارتفاعات مخيفة للأسعار. فقال أحدهما للأخر (تعرفة الركوب مرتفعة جداً.. فمئة ليرة ليست قليلة.. ماذا يفعل الطالب في الجامعة، أو من لديه ولدان أو ثلاثة أولاد في الجامعة؟ إنه سيحتاج يومياً إلى ما لا يقل عن 250 ليرة عن كل شخص أجرة مواصلات فقط، أي أنه يحتاج إلى أكثر من ثلاثين ألفاً أجرة مواصلات لأولاده شهرياً).. واستطرد قائلاً: (زادوا الرواتب وزادوا سعر المازوت، والموظف أخذ الزيادة بيد، والتجار والمواصلات أخذوا الزيادة وبقايا الراتب باليد الثانية).

فرد عليه الآخر: (لا نلوم سائقي السرافيس على هذه التعرفة، فهم لا يحصلون على لتر المازوت بسعره النظامي، بل يحصلون عليه ب120 ليرة من محطات الوقود.. كما أن أسعار الإطارات، ارتفعت، وكذلك أسعار زيت المحرك، وغيرها من الأمور).. فقال الآخر: (الزيادة أتت على كل المستهلكين، ولم تأت عليهم فقط، ولكن ماذا يفعل من راتبه محدود ومقدر شهرياً.. فالتاجر يرفع أسعاره كلما ارتفع الدولار، وسائق السرفيس يرفع تعرفته مزاجياً عندما يرتفع المازوت وزيت المحرك، والطبيب يرفع كشفيته عندما ترتفع المعيشة، فماذا عن باقي المواطنين الذين لا يستطيعون أن يرفعوا شيئاً لأن رواتبهم محدودة؟ هذا إن كانوا يعملون أصلاً؟).. فرد عليه الآخر وقال: (ليس لديهم سوى أن يرفعوا أيديهم للدعاء بالفرج العاجل).

فقال الآخر: (هل تعلم أن سعر كيلو الفروج أصبح 520 ليرة، وأصبح سعر كيلو شرحات الدجاج ب950 ليرة، وكيلو الفخذ ب 650 ليرة؟).. فقال الآخر منصعقاً: (وماذا نأكل… اللحوم الحمراء أصبحت أرخص شيء إذاً).. فقال الآخر: (كيف يستطيع الفقير العيش في ظل هذا الارتفاع في الأسعار؟).. مستطرداً: (البيضة أصبحت بأكثر من 17 ليرة، لأن صحن البيض أصبح ب470 ليرة. حتى زيت الزيتون (البلدي) أصبحت العبوة الواحدة سعة 20 لتر ب10500 ليرة وهي صناعة سورية، أي أن الدولار ليس له علاقة بها لا من بعيد ولا من قريب.. فالزيتون هو من سورية، والمعاصر في سورية، والأشجار لا تحتاج إلى علف مستورد أو إلى أسمدة مستوردة). وأضاف: (إذاً ألا يقول لنا أحد لماذا أصبح زيت الزيتون بهذا السعر؟..)، فرد الآخر : (يا أخي إنهم التجار وتلاعبهم وغشهم واستغلالهم وغياب ضميرهم.. كما أن الزيتون لونه أخضر، فربما ارتفع لأن لون الدولار أخضر..!).

وأثناء الطريق قال أحدهما للآخر: (كنت أملك 40 ليرة من الذهب وذلك في عام ،1960 وبعتها عندما بلغ سعر الليرة الواحدة 69 ليرة، وقلت آنذاك إن الذهب ارتفع ولأستغل الفرصة وأبيعها، فبعتها واشتريت بعض المكنات الخاصة بالخياطة، فلو أني صبرت إلى هذه الأيام لكان سعر ال 40 ليرة الذهبية حالياً الكثير من الملايين)! فرد عليه الآخر: (المقبل على الزواج ماذا سيفعل في ظل ارتفاع أسعار الذهب حالياً؟).. قال له الآخر: (يجب إلغاء هذه العادات حالياً فيجب عدم إلزام الزوج بشراء الذهب، وليكتفوا بالنقود فقط)، فقال الآخر: (حسناً في حال تم الاتفاق بين الطرفين على عدم شراء الذهب، وأن يتم دفع مقدم الزوجة نقداً، فكيف سيجابه كل من الزوجين ارتفاع أسعار الأدوات المنزلية، وخاصة أن سعر البراد أصبح ب 140 ألف ليرة)، فقال الآخر: (يجب الاتفاق أيضاً على أن يتم شراء شيء واحد فقط، إما البراد أو الغسالة أو الفرن، لأن مبلغ ال100 ألف ليرة كانت سابقاً قبل الأزمة الحالية تكفي لكسوة شقة سكنية بجميع الأجهزة المنزلية، أما حالياً فإذا أراد شخص أن يجمع بين الأدوات المنزلية السابقة، فإن ذلك سيكلفه مبلغاً كبيراً يتجاوز المليون ليرة).

وبالطبع وصلت إلى بلدتي ولم ينته الحديث بينهما، ولكن كانت الفكرة التي اجتمع عليه رأياهما هي أن فيروس جنون الأسعار وفيروس الأخضر (الدولار)، لم يترك سلعة إلا أصابها بالعدوى السريعة. والغريب في الأمر أن فيروس الأسعار إلى الآن لم يوجد له عقار ناجع يضع حداً لانتشاره أو نموه المتسارع.

فهل يعقل أن يصبح سعر البيضة أكثر من 17 ليرة، وأن يحلق الفروج المذبوح والمنظف ليصبح سعره أكثر من ألف ليرة هذا قبل رمضان، فكيف الأمر مع دخول رمضان؟ يسأل بعض المستهلكين، كيف يُسعّر الفروج؟ فإذا تضاعف الدولار أربعة أضعاف، فإن الأسعار تضاعفت 400% وأكثر.. فهل من محلل اقتصادي يستطيع أن يفهمنا كيف للأسعار أن تحلق هذا التحليق بحجة الدولار؟

ويسأل مستهلكون عن الوعود الحكومية التي أُطلقت حول ضبط الأسعار، والتدخل في الأسواق لكبح جماحها؟.. فالشيء الملموس على أرض الواقع مغاير تماماً لما هو على الأوراق أو في التصريحات الاقتصادية عن ضخ كميات كبيرة من السلع في الأسواق قبل حلول رمضان بأسعار منافسة، فالمستهلك لم يلمس بعد أي إجراء حقيقي يحد من (فوران الأسعار)، وهل يعقل أن يقفز سعر كيلو الحليب في ليلة واحدة ليصبح ب115 ليرة؟ وهل يعقل أن يقفز سعر كيلو الجبنة ليصبح ب600 ليرة؟ والحجة كما ذكرنا موجودة.. الدولار والمازوت.

ولكن ماذا عن ذوي الدخول المحدودة؟ وماذا عن العاطلين عن العمل؟ وماذا عن المهجّرين من منازلهم وما يتكبدونه من عناء مادي كبير، سواء من حيث تأمين منزل رخيص للإيجار أو تأمين لقمة عيشهم؟ أين هي وزارة الشؤون الاجتماعية من المهجرين؟ وأين هي وزارة العمل ودورها في الحد من التسريح التعسفي الذي يطول القطاع الخاص وغير المنظم، أو من خلال خلق فرص عمل إنتاجية، من شأنها أن تحرك العجلة الإنتاجية حالياً؟ وأين هي وزارة الاقتصاد من توفير السلع المنافسة في أسعارها في الأسواق؟ وأين هي وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك من حماية المستهلك من غبن الأسعار وحمايته من الغش الذي بدأ يتفشى في الكثير من المواد الغذائية والمنظفات وغيرها؟ وأين هي أيضاً من ضبط أسعار المحروقات؟ وأين هي من ضبط تعرفة الركوب في وسائط النقل العاملة على البنزين والمازوت؟

بالطبع نحن نعيش على أرض الواقع، ونعلم أن الظروف الحالية التي يمر بها وطننا الغالي صعبة، وأنها حرب كونية تشن على سورية الحبيبة، ولكن أيضاً نعلم أن الظروف الاستثنائية تحتاج إلى تحرك استثنائي أيضاً يواجه هذه الظروف ويلبي متطلباتها، لا أن يبقى الكثير من الوزراء ومديري المؤسسات جالسين في مكاتبهم ويعتمدون على تقارير يومية تصلهم عن وضع الأسواق والسلع.

نود أن يكون هناك تحرك على أرض الواقع وضرب بيد من حديد بكل متاجر بقوت الشعب، وخاصة المتلاعبين بسعر الصرف، لأنه في حال عدم وضع حد لهم فإن الأسعار الراهنة لا يمكن أن نطلق عليها أنها فاحشة، لأنه سيكون هناك أسعار أكثر فحشاً وارتفاعاً في حال عدم التحرك العاجل والمدروس.

العدد 938 - 02/12/2020