هل لعبت دورها؟ حمل ثقيل يواجه مؤسسات التدخل الإيجابي في ظل الارتفاع الشاهق للأسعار؟

من المعروف أن الحلقة الاقتصادية الأضعف لدى حدوث أي أزمة اقتصادية ضمن بلد ما، هي ذوو الدخل المحدود، أو من هم دونهم أي الذي يعيشون تحت خط الفقر.. ومن المعروف أيضاً أن مقاومة هاتين الطبقتين ضعيفة جداً تجاه أي هزة تواجه الأسواق، سواء من حيث الأسعار أو حتى وفرة المواد. ما يحدث في الأسواق السورية حالياً هو نوع من التخبط وعدم التوازن، لأن ما يحكم السوق في ظل اقتصاد السوق الاجتماعي هو العرض والطلب. ولكن ما حدث حالياً هو خروج السوق عن قوانينه ودخول قوانين أخرى تحكمه، وذلك نتيجة الأزمة الراهنة التي تمر على سورية وما أفرزته من سلبيات كثيرة على الاقتصاد، سواء الحصار الاقتصادي أو نتيجة الحرب التي تتعرض لها الليرة السورية داخلياً وخارجياً. وترافق ذلك ضعف كبير في الإنتاج المحلي والاعتماد على مدى عامين على الاستيراد لأغلب المواد، وخاصة الغذائية منها والمواد الأولية وبأسعار مضاعفة نتيجة تقلب سعر الصرف. وتزامن ذلك مع ضعف في الرقابة على الأسواق لأسباب كثيرة، منها الحالة الأمنية التي تعيشها بعض المناطق، وصعوبة الوصول إليها، إضافة إلى قلة الكادر التمويني المراقب للأسعار، وتحرير أغلب السلع والخدمات والمنتجات وجعلها تخضع لقانون العرض والطلب، مع التأكيد أن هذا القانون عطله في كثير من الأحيان بعض التجار والمحتكرين الذين يقومون بعدم طرح بعض السلع لحجج واهية، مثل عدم استقرار سعر الصرف، في حين تكون غايتهم الحقيقية هي تحقيق أرباح مضاعفة بعد طرح المادة مرة أخرى في السوق ولكن بأسعار مضاعفة!

إن الدخل الحالي للمستهلك بطبيعة الحال لم يعد قادراً على تحمل الضغوط المتزايدة من الأسعار، ويبقى يبحث عن البدائل، ومابين التدخل وعدم القيام بدورها في التدخل الإيجابي في الأسواق المحلية.. يبقى المواطن حائراً بأسعار أحرقت جيوبه بوثبات مخيفة ومرعبة.. مؤسسات التدخل الإيجابي التي يلقى عليها حمل ثقيل في الأيام الراهنة لكسر حدة الأسعار، تقول إنها تتدخل بقوة وأسعارها هي أقل من أسعار السوق بنسب كبيرة، في حين يرى آخرون أنها لم تستطع مجابهة تحدي ارتفاع الأسعار، بل جارت ارتفاعها دون أي تدخل.

الخزن والتسويق: أسعارنا أقل من أسعار السوق بنسبة 60%

أوضح موسى موسى، مدير العلاقات العامة في المؤسسة العامة للخزن والتسويق، أن خروج المؤسسة من السوق سيؤدي إلى إشعال الأسعار، إذ استطاعت أن تحقق توازناً في السعر، فهي عامل مؤشر للسوق وللأسعار.

وأكد في تصريحه ل(النور)، أن التاجر في السوق المحلية يتابع أسعار السلع المطروحة في صالات المؤسسة ويقوم بمجاراتها، نافياً أن تكون أسعار السلع في صالات المؤسسة أكثر بنسبة 60% من أسعار السوق، مؤكداً أن العكس هو الصحيح. فأسعار المؤسسة أقل بنسبة 60% من أسعار السوق. فمثلاً سعر كيلو البطاطا في السوق هو 07 ليرة، في حين أن سعره في صالات المؤسسة هو 40 ليرة.

ولفت إلى أن المؤسسة لا تقوم بدعم المواد الكمالية، بل تركز على المواد الغذائية الأساسية التي تهمّ المواطن من سكر ورز وسمون وزيوت وخضراوات، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على جلب بضائعها من محافظة طرطوس، وخاصة الخضراوات، مثل البطاطا والبندورة، وذلك باستخدام سياراتها الخاصة لإلغاء دور الوسيط وخفض التكلفة، وبالتالي خفض الأسعار مع وضع هامش ربح بسيط على السلع، لأن المؤسسة تعدّ تجارية أيضاً.

وعن استعداد المؤسسة لاستقبال موسم رمضان قال موسى: (جميع المواد متوفرة في صالات المؤسسة، ولكن سنعمل على ضخ المواد بشكل أكبر وأكثر، وخاصة اللحوم والخضار والزيوت وبأسعار منافسة، ونحن على استعداد لتلبية احتياجات المواطنين، فالمواد المتوفرة في صالات المؤسسة تفوق حاجة المناطق الموجودة فيها هذه الصالات).

خبير اقتصادي: يوجد احتكار وتآمر بين بعض القائمين على الصالات وتجار السوق

بالمقابل أوضح الخبير الاقتصادي نضال طالب في تصريحه ل(النور)، أن مؤسسات التدخل الإيجابي قامت بدور إيجابي في السوق كمؤسسات تدخل إيجابي، فهي استطاعت أن تؤمن المواد وبأسعار مريحة للمستهلك، عدا أنها مراقبة صحياً وغير مغشوشة. ولكن دورها لم يكن مكتملاً، إذ هناك حلقة ضائعة في عملية إيصال المواد الغذائية الأساسية للمواطنين، وهذه الحلقة هي الرقابة على حسن توزيع المواد على المواطنين لا على التجار.

فالتاجر عندما يسمع أن مؤسسات التدخل الإيجابي تقوم بطرح مواد بأسعار مدعومة يقوم بالاتفاق والتآمر مع بعض المسؤولين عن صالات التدخل الإيجابي ويسحب البضائع من صالات المؤسسة بطريقة ما، وذلك بعد أن يقوم بإعطاء حصة معينة لبعض موظفي الصالات، ومن ثم يقوم ببيع المادة التي تدعمها الحكومة في متجره، أي أن الدعم لم يصل إلى المواطن، بل أخذه التاجر، وذلك نتيجة فساد حقيقي في بعض صالات مؤسسات التدخل الإيجابي، ونتيجة غياب دور وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، إضافة إلى جمعية حماية المستهلك التي لا نسمع منها سوى الكلام فقط. وبالنتيجة فإن المواطن في أغلب الأحيان عندما يذهب للحصول على مادة ما من صالات التدخل الإيجابي، ويكون سعرها مرتفعاً في السوق، فإنه لا يجدها في الصالات، برغم أن المادة تكون قد طرحت في معظم الصالات خلال فترة قصيرة ولم يحن وقت نفادها، وهذا ما يفسر فقدان بعض المواد التي ترتفع أسعارها في السوق المحلية ضمن صالات مؤسسات التدخل الإيجابي.

وأوضح طالب أنه يتوجب على وزارة التجارة الداخلية أن تقوم بمراقبة صالات مؤسسات التدخل الإيجابي.. فقد يقوم بعض موظفي الصالات باحتكار المادة، كما يحدث في شركات الصرافة حالياً.

ونبه الخبير الاقتصادي إلى أهمية الرقابة على معظم السلع والمواد الغذائية، وخاصة مع اقتراب شهر رمضان، إذ يزداد الطلب على المواد الغذائية، مما سيؤدي إلى رفع أسعار معظم المواد، وهو عامل إضافي يضاف إلى بقية العوامل الأخرى التي أدت إلى رفع الأسعار في السوق المحلية، مؤكداً أن الأسر السورية ستلجأ في شهر رمضان إلى إعادة ترتيب أوّلياتها في السلة الغذائية، وتقوم باختصار الكثير من المواد الغذائية غير الضرورية، فهي ستقتصر على الضروري فقط وذلك وفق إمكاناتها ودخلها المتاح.

تعليق: مؤسسات التدخل الإيجابي للمواطن وليس للتاجر

يبقى القول بأن مؤسسات التدخل الإيجابي قد يكون لها دور أكثر فاعلية في كسر حدة الأسعار في السوق المحلية، وخاصة في الموجات المتتالية في ارتفاع الأسعار التي طالت مختلف أصناف السلع، ولكن عدم تمتع هذه المؤسسات بالمرونة الكافية وتقيدها ببعض القوانين والأنظمة جعلها تتأخر في أداء دورها، برغم امتلاكها القدرة على أن تكون ذراعاً قوية في السوق المحلية.. ويتطلب هذا مرونة في القوانين وجعلها مؤسسات اقتصادية منافسة في السوق، كما لابد من التنبيه إلى قضية الفساد المنتشر في بعض صالات مؤسسات التدخل الإيجابي، سواء الاستهلاكية أو الخزن والتسويق. فكثير من المواطنين يشتكون من فقدان السلع الضرورية التي ارتفعت أسعارها في السوق المحلية، وما أشار إليه الخبير الاقتصادي نضال طالب عن قضية التآمر والتلاعب بالمواد المدعومة في غاية الخطورة. وبالطبع تقع المسؤولية على كل من وزارة التجارة الداخلية، ومؤسسَتْي الاستهلاكية والخزن والتسويق في متابعة توزيع المواد المدعومة على المستهلكين لا على التجار، كما أن بقاء مؤسسات التدخل الإيجابي على حالها الراهن، فإنها لن تتمكن من ممارسة دورها الإيجابي وتفقد دورها.

العدد 938 - 02/12/2020