خياران أمام الحكومة.. إما خفض الأسعار أو زيادة الأجور والخيار الثالث بقاء المستهلك في دوامة الغلاء
الأسعار لا تزال محلقة، بالرغم من الإجراءات الحكومية المتتالية لضبطها وردعها عن التطاول أكثر على دخل المستهلك، والمستهلك لم يعد أمامه سوى أن يرشّد ويغيّر نمط استهلاكه، بما يتوافق والظروف المادية التي يعيشها.
ذكرنا سابقاً أن الأسعار لم تنخفض كحد أعلى سوى 30%، رغم انخفاض سعر الصرف بحدود 100% واستقراره، ولا يمكن النظر إلى ارتفاع الأسعار وتأثيره على المستهلك دون النظر إلى العوامل الأخرى، مثل انخفاض القوة الشرائية للمستهلك الذي يملك دخلاً، وارتفاع معدلات البطالة الذي أدى بشكل أو بآخر إلى تنامي اقتصاد الظل، إذ إن نحو 75% من نسبة البطالة هي من الشباب، وبحسب بعض التقديرات التي صدرت العام الماضي، فإن 7,6 ملايين سوري يقعون بين خطّيْ الفقر الأعلى، الذي يعبر عن قيمة الإنفاق اللازم على أمور مثل السكن والمعيشة، والأدنى الذي يعرف بأنه قيمة الإنفاق اللازم لحصول الفرد على احتياجاته الأساسية الغذائية. كما تقدر نسبة الفقر وفق الخط الوطني الأعلى بنحو 60%.. وتشير بعض التقديرات إلى أن مليون عامل سوري من أصل قوة العمل البالغة 6 ملايين عامل، يعملون بأجر لا يزيد على الحد الأدنى للأجور، أي 13670 ليرة سورية شهرياً.
وبالطبع هذه الأرقام والمؤشرات تؤكد أهمية التحرك لمنع تفاقمها أكثر، وخاصة فيما يتعلق بقضية الأسعار، وهناك طريقان أمام الحكومة لوضع حد لهذه المعضلة:
الأول: خفض الأسعار وتحديدها، وتطبيق ذلك على أرض الواقع، بتدخلها المباشر في تحديد الأسعار.
والثاني: رفع الأجور وزيادة الرواتب بحيث تغطي الفجوة الحاصلة بين الأسعار والدخول، ومنع حدوث أي تضخم لقاء هذه الزيادة.
الخيار الأول: خفض
الأسعار وتحديدها..
بالرغم من جميع الإجراءات الحكومية المتخذة لخفض الأسعار، إلا أنها مازالت تراوح ارتفاعاً، والتجار لديهم مبرراتهم والمستهلك لديه احتياجاته، والحكومة تحاول ولكن لا تزال المحاولات ضمن النطاق النظري رغم القرارات العديدة، ذلك أن هذه القرارات تفتقد لآليات تنفيذية على أرض الواقع.. كما أن هناك الكثير من الصعوبات تواجه تحديد الأسعار سنأتي على ذكرها.
أحد التجار المعروفين (رفض التصريح عن اسمه) أوضح ل(النور)، أن التاجر بطبيعة الحال يقوم بوضع هامش مخاطرة أثناء تسعيره للمواد التي ينتجها أو التي يستوردها، خوفاً من تذبذب سعر صرف الليرة مقابل الدولار وتعرضه للخسارة، لذا فهو لا يكتفي بوضع هامش الربح فقط، بل أيضاً بوضع نسبة المخاطرة.
وعن الإجراءات الحكومية الأخيرة في تحديد أسعار بعض السلع والمواد الغذائية، قال التاجر: الأسعار لا يمكن أن تحدد بقرار حكومي، لأنها تخضع للعديد من العوامل، منها العرض والطلب في الأسواق والمنافسة، ومن جهة أخرى عوامل أخرى فرضتها الأزمة، وأعتقد (والقول للتاجر)، أن هناك الكثير من عناصر التكلفة لم تأخذها الحكومة في الحسبان لدى تحديد أسعار المواد الغذائية، فهل أخذت وزارة التجارة الداخلية في حسبانها أن التاجر لا يحصل على مادة المازوت بسعره النظامي، وإنما يحصل عليها ب100 ليرة للتر الواحد؟ وهل أخذت في حسبانها تكلفة أجور النقل التي لا تخضع لأي قاعدة، وإنما وفق مزاجية السائقين والوضع الأمني على الطرقات؟ وهل أخذت في حسبانها أثناء التسعير ما قد يتكلف به التاجر من تأخر وصول مواده الأولية الخاصة بالإنتاج وتوقف الإنتاج نتيجة صعوبات النقل؟ وهل أخذت بحسبانها تكاليف توليد الكهرباء والتوقفات التي تحدث نتيجة انقطاع الكهرباء؟ وهل وضعت في اعتبارها أن التاجر يواجه صعوبة بالغة جداً في التعامل مع التجار الخارجيين أو المصدرين الرئيسيين، نتيجة عدم الثبات على تشريع معين بالنسبة للاستيراد والتصدير المتعلقة بتمويل المستوردات وترشيده؟
حجج ومبررات لعدم خفض الأسعار، يسوقها التجار والمستوردون، ونسأل هنا: لماذا لم ينتظر هؤلاء استقرار سعر الصرف حين كانوا يرفعون الأسعار يومياً.. بل بين ساعة وأخرى؟
تحديد الأسعار قد يحد
من فوضى الأسعار ولكن..
أحد باعة الجملة أوضح ل(النور) أن الكثير من تجار المفرق تعرضوا لخسائر كبيرة نتيجة انخفاض سعر الصرف، لافتاً إلى أن ما يقال عن عدم قيام التجار بتخفيض أسعارهم هو مبالغ فيه كثيراً، ذلك أن بائع المفرق والجملة مضطر لمسايرة الأسعار ارتفاعاً وانخفاضاً، وذلك (وفق السعر الذي يفرضه بائع الجملة أو المستورد)، فليس من المعقول أن يبيع التاجر سلعة معينة مرتفعة الثمن، في حين أنها تباع في محل تجاري مجاور له بأسعار منخفضة.
وأكد أن هناك بعض المواد انخفضت أسعارها، ولكن بنسب ضئيلة في حال مقارنة حجم انخفاض سعر الصرف مع انخفاض الأسعار، فالنسبة العامة لانخفاض الأسعار لا تتجاوز 30%، إلا أن سعر الصرف انخفض أكثر من ذلك بكثير.
وأكد أن تحديد أسعار السلع قد يساعد نوعاً ما في الحد من فوضى الأسعار، ولكن لا يمكن أن يخفض الأسعار، فتخفيض الأسعار يحتاج إلى عدة عوامل، منها استقرار سعر الصرف لعدة أشهر كحد أدنى، إضافة إلى توفر عنصر المنافسة في السوق، وهو عنصر يفتقده السوق حالياً، فأغلب التجار يجدون صعوبة في الحصول على إجازات الاستيراد، ولا يتم معاملة كل التجار سواسية من حيث إجازات الاستيراد وسهولة منحها.. وبالطبع هذا الأمر يعيق تحقيق عنصر المنافسة بين التجار والمستوردين، وبالتالي نجد أن سعر مادة معينة مستوردة متقاربة في معظم الأسواق، كما يلعب العرض والطلب دوراً في تخفيض الأسعار.. فعندما يكون هناك عرض كبير من السلع في السوق، وبأكثر من جهة، تنخفض الأسعار، والعكس صحيح كما يحدث في الكثير من السلع منها الفروج، لذا فخطوة وزارة التجارة في تحديد الأسعار أمر جيد، ولكنه متأخر ويصعب تطبيقه. فمثلاً لا يمكن تطبيق تحديد الأسعار على كل السلع، وإن كانت ذات نوعية واحدة. فزيت الصويا مثلاً يختلف من حيث مصدر استيراده، وإن كان ذو نوعية واحدة، وبالتالي قد تختلف تكاليف استيراده من تاجر إلى آخر، وذلك حسب أجور النقل وتكاليف الشحن وغيرها من العناصر. إذاً تحديد الأسعار يحتاج إلى متطلبات لتنفيذه، ويجب أن يأخذ في حسبانه العوامل السابقة لوضع السعر الحقيقي والتكاليف الحقيقية التي تواجه المستورد أو المنتج.
الخيار الثاني.. رفع الأجور
أما بالنسبة للخيار الثاني أمام الحكومة، فهو رفع الأجور بحيث تكون قادرة على تغطية الفجوة الكبيرة بين الأسعار ودخل المستهلك، فالزيادة الأخيرة في الرواتب والأجور لم تغطِّ أجور المواصلات وارتفاع أسعار المحروقات وفقاً للكثير من الخبراء، بل اتسعت الفجوة بين الأجور والأسعار التي تضاعفت كثيراً، وبات دخل المستهلك هزيلاً أمام عملقة الأسعار.
جمعية حماية المستهلك:
زيادة الأجور لم تتناسب
مع زيادة الأسعار..
أوضح عدنان دخاخني، رئيس جمعية حماية المستهلك، في تصريحه ل(النور)، أن معظم مدخرات المستهلكين انتهت نتيجة ارتفاع الأسعار، والغريب في الأمر أنه إلى الآن يوجد رفع للأسعار، ومن المعلوم أن رفع الأسعار يأتي عندما يكون هناك تحسّن في الدخل، فهل تحسن دخل المستهلكين لكي يرفعوا الأسعار؟ فالزيادة الأخيرة في الرواتب ذهبت أجور مواصلات، وزيادة الأجور لم تتناسب مع زيادة الأسعار التي بلغت 400%.
وأشار إلى أنه مادام البائع يضع الأسعار التي يراها مناسبة، ويجد أن هناك من يقوم بالشراء، فإن الأسعار لن تنخفض والمواطن لن يستطيع ترشيد استهلاكه، فهناك أسر لا تستطيع أن تؤمن الحد الأدنى من متطلبات معيشتها. وعن ترشيد الاستهلاك قال دخاخني: (الترشيد يمكن تطبيقه فقط لمن يملك إمكانية الترشيد، أي لمن يملك دخلاً يستطيع أن يرشده، أما الذي ليس له إمكانية، فكيف له أن يرشد؟ فالذي يريد أن يرشد استهلاكه يعني هو يملك قدرة مالية يحاول أن يحافظ عليها، ولكن هناك الكثير من المستهلكين ليس لديهم أي قدرة شرائية).
إذاً لا قدرة للمستهلك على الترشيد ولم يعد لديه مدخرات، فجمعية حماية المستهلك تجمع بياناتها من خلال شكاوى المستهلكين وفق عدنان دخاخني.
وهنا لا بد من طرح سؤال هام: هل بمقدور الحكومة أن تنفذ أحد الخيارين السابقين وهما، إما خفض الأسعار وتحديدها، أو زيادة الأجور والرواتب؟ في حال كانت تستطيع أن تنفذ أي خيار، فيجب المبادرة بسرعة لتنفيذه، وفي حال عجزت عن تنفيذ أي خيار، فإنها تُبقي المستهلك في دوامة الغلاء الذي لن يستطيع مجابهته أبداً، وبالتالي ستبقى قدرته الشرائية ضعيفة، وفي نهاية المطاف تتوسع قاعدة الفقراء أكثر وأكثر، وهذا ما يخشاه كثيرون.