الدولار هبط والأسعار مازالت محلقة.. ونقول لتجارنا: التجارة ربح وخسارة وليست ربحاً فقط

هاهو ذا الدولار يهبط، وهاهي ذي الليرة تستعيد شيئاً من ألقها، حتى إن الكثير من المواطنين بدؤوا يباركون لبعضهم البعض على ذلك، ولكن في الوقت نفسه مازالوا يتعرضون للغبن في الأسعار إلى الآن! فالأسعار رغم انخفاض الدولار لم تهبط أو تتزحزح قليلاً عن مستوياتها المرتفعة، إلا في بعض السلع التي هبطت أسعارها بنسب لا يمكن ذكرها، لأنها ضئيلة جداً مقارنة مع نسب هبوط الدولار مقابل الليرة السورية.

الدولار هبط بحدود 120%، فقد بلغ سعره في السوق السوداء في حزيران الماضي أكثر من 300 ليرة، ولامس مؤخراً حدود 125 ليرة للمبيع و02_ ليرة للشراء، ولكن عاد ليرتفع مساء الأربعاء الماضي إلى حدود 150 ليرة للشراء و155 ليرة للمبيع، وبدأ مصرف سورية المركزي بعمليات التدخل في سوق القطع  بسلسلة من جلسات التدخل، كان أولها مطلع شهر تموز الماضي، حين باع على أثرها لشركات الصرافة كميات من الدولار بسعر 240 ليرة، على أن تباع للمواطنين بسعر 250 ليرة، وآخرها 22 الشهر الماضي، باع فيها الدولار للشركات بسعر 165 ليرة، على أن يُباع للمواطنين بسعر 65,166 ليرة.

ومع ذلك يبقى هبوط الدولار بحدود 100% مقارنة مع حزيران الماضي الذي بلغ فيه سعر الدولار 300 ليرة، إذ سعّرت السلع والمواد من قبل تجارنا على أساسه، ورغم تذبذب سعر الصرف نحو الانخفاض أكثر منه  نحو الارتفاع، إلا أن الأسعار لم تهبط أبداً، بل بقيت ثابتة بعض الشيء على ارتفاع سعرها، حتى إن بعض السلع ارتفعت أكثر بعدما هبط الدولار مثل بعض أنواع المعلبات (الجبنة المبسترة).

الغريب في الأمر أن تجارنا إلى الآن يتجاهلون أن التجارة هي (ربح وخسارة)، بل احتفظوا بالشق الأول لأنفسهم، وهو (الربح)، وحذفوا الشق الثاني من هذا القانون التجاري ألا وهو (الخسارة)، فالمهم لدى تجارنا المحافظة على أرباحهم مهما جرى ومهما حدث.. فذريعة الدولار حالياً لم تبطل، بل معظم التجار يتذرعون بأن معظم المواد والسلع والبضائع التي تباع حالياً في الأسواق اشتُريت بسعر صرف مرتفع، وهذا يخالف قانون السوق ألا وهو (الربح والخسارة)، فكيف يحق للتاجر أن يرفع سعر بضائعه القديمة المخزنة لديه ربما قبل الأزمة أو التي اشتراها على سعر صرف 50 ليرة للدولار، وأن يبيعها ويرفع سعرها على أساس سعر صرف يبلغ 300 ليرة للدولار؟ في حين لا يسمح التاجر لنفسه أن يخفض أسعار سلعه عند انخفاض الدولار؟ ربما هو قانون جديد ابتكره تجارنا!

ذكر سابقاً في إحدى ندوات غرفة تجارة دمشق، التي كنت حاضراً فيها، أن التجارة أخلاق قبل كل شيء، ونحن لا ننكر دور التجار في توفير السلع وضخها في السوق، ولا الصعوبات الكبيرة التي يتعرضون لها في إيصال واستيراد هذه السلع، ولكن نؤكد أهمية أن يتحلى التاجر بالأخلاق وبانتمائه للشعب وللوطن. وبالطبع هناك تجار قاموا بواجبهم على أكمل وجه، ونوجه لهم التحية على ذلك، ولكن بالمقابل هناك تجار فقدوا الإحساس بأن هناك مستهلكين ليس لديهم دخل، وأن دخل المستهلك بات هزيلاً أمام هذه الأسعار، وبات همّ هؤلاء التجار هو تكوين ثروات على حساب ذوي الدخل المحدود والفقراء.

بالطبع ما نقصده هنا بالتجار، ليس فقط التاجر الذي يستورد ويصدر، بل يشمل أيضاً الصناعي وبائع الجملة والمفرّق والوسيط بينهم.. وكما يقال في المثل الشعبي (إذا خليت خربت)، فهناك شرفاء وهناك عكس ذلك، ولكن للأسف معظم المستهلكين يعانون ارتفاع الأسعار في كل مكان، أي أن نسبة ليست بقليلة من تجارنا باتوا يتاجرون بقوت الشعب، وهمهم الوحيد هو الربح فقط.

حالياً بعض التجار يقولون بأن الدولار ليس السبب الوحيد في ارتفاع الأسعار، وفي الحقيقة فإن في هذا الكلام شيئاً من الصحة، فهناك عوامل أخرى تحكم الأسعار، مثل أجور النقل التي ارتفعت بنسب كبيرة جداً نتيجة ارتفاع سعر المازوت، ونتيجة صعوبة التنقلات بين المحافظات المنتجة والمستهلكة، كما أن قلة الإنتاج كان لها أثر بالغ على السوق في ضعف العرض وتحكّم بعض التجار به، عدا خروج عدد كبير من المنشآت الصناعية والزراعية والحرفية والتجارية عن الإنتاج نتيجة الأزمة الراهنة، إضافة إلى بعض القرارات الحكومية التي أثرت على الأسعار، والتي اتخذها بعض الصناعيين ذريعة لرفع أسعارهم، مثل ضريبة إعادة الإعمار وزيادة سعر الكهرباء على المنشآت الصناعية والحرفية والتجارية. وبالطبع الظروف والعوامل السابقة كان لها أثر بالغ على الأسعار، ولكن ما يجعلنا نقول بأن الدولار له الأثر الأكبر على الأسعار، هو أن معظم تجارنا كانوا يتذرعون به عند رفع أسعارهم، فالأسعار ارتفعت كثيراً وبنسب عالية جداً قبل رفع سعر المازوت، وحتى قبل فرض أي ضريبة أو زيادة بأسعار مدخلات الإنتاج. وبالطبع ذريعة الدولار وضعت التاجر في مأزق، وكما يقال: (الدولار حيّر التجار)، ولكنه أيضاً (حيّر المستهلك). ومن المعروف وفق بعض التجار أن التاجر بطبيعة الحال يضع هوامش مخاطرة في الأسعار، أي أنه يرفع السعر قليلاً عن السعر الحقيقي للمادة التي ينتجها أو يستوردها تحسباً من أي ارتفاع لسعر الصرف، لكي لا يعرّض نفسه للخسارة.. ولكن نسأل هنا: هل وضع التاجر هامشاً لكي يخفض أرباحه قليلاً في حال انخفض سعر الصرف؟

أما من حيث الإجراءات الحكومية، فإن الحكومة تتجه حالياً لتقييد أسعار 80% من السلع الغذائية كما ذكر مؤخراً، هو إجراء متأخر، ولكن أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي أبداً! ونسأل هنا أيضاً: هل ستتمكن وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك من تطبيق إجراء كهذا، وفرضه على جميع الحلقات التجارية حتى الوسطاء الذي يلعبون دوراً كبيراً في رفع الأسعار، إضافة إلى تجار الجملة والمفرق المنتشرين في جميع الأسواق؟ يبقى السؤال دون إجابة لحين أن نلمس ذلك على أرض الواقع.

وحالياً تتوجه الحكومة أيضاً لإصدار تشريع جديد لضبط الأسعار ومنع الاحتكار يتضمن عقوبات رادعة جداً، وبالطبع فإن جميع الخطوات الحكومية تعد في مسارها الصحيح، ولكن يبقى الأمل في التنفيذ الصحيح أيضاً، فليست العبرة في إصدار التشريعات والقرارات، بل في إيجاد آلية لتنفيذها على أرض الواقع.. فإلى الآن نلاحظ أن بعض السلع التي قُيّدت مثل الشاي والحلاوة وغيرها تختلف من حيث أسعارها من بائع إلى آخر، ويبقى للمستهلك دور كبير في آلية التنفيذ، ولكن أكثر ما نخشاه هو أن يكون المستهلك قد ملّ الشكوى، أو أن يشتكي ولا يلمس أي جدوى في ذلك.

نهاية قولنا، نود التأكيد لتجارنا أن التجارة ربح وخسارة وليست ربحاً فقط، كما نؤكد أهمية أن تقوم الحكومة بضخ السلع والمواد الغذائية وغيرها في السوق عبر مؤسسات التدخل الإيجابي بأسعار منافسة، لأن العرض والطلب يؤثر على الأسعار، كما أن المنافسة التي فقدت من السوق لها أثر بالغ في التأثير على الأسعار، فكلما كان هناك تجار يقومون بالإنتاج والاستيراد، كان هناك منافسة، ووصلنا إلى السعر الحقيقي للسلع في الأسواق.

ويبقى أمل المستهلك معلقاً على الوعود الحكومية التي أطلقت مؤخراً، بأن الأسعار ستنخفض خلال الأيام القليلة المقبلة انعكاساً لانخفاض سعر صرف الدولار.

العدد 1194 - 15/04/2026