العدالة أولاً.. ومكافحة الفساد ثانياً.. وتوفير إمكانات تنفيذه ثالثاً!
مشروع قانون التموين والجودة..
تتوالى إجراءات حكومية متسارعة للضغط على الأسعار وجعلها تنخفض بحيث تكون قريبة من المعقول، وضبط عمليات البيع والشراء وتنظيم العملية التجارية. فوزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك تسعى حالياً لاستصدار قانون التموين والجودة، الذي وضعت مشروعه على موقعها لتبيان آراء الخبراء والاختصاصيين حول مشروع القانون. ومن نظرة سريعة عليه، يتبين أن القانون لا يخلو من عقوبة الحبس لأي مخالفة، سواء عدم إبراز فواتير أو بيان جمركي، وصولاً إلى التلاعب بالمواد المدعومة.
وبالطبع لا بد من ذكر أمر هام، وهو أن وضع عقوبة الحبس في ظل الظروف الحالية يعد أمراً هاماً، ولكن يجب أن تكون هذه العقوبات للمخالفات الجسيمة فقط، وذلك لعدة أسباب، منها أن عمليات تداول الفواتير بين الحلقات التجارية لا تتم حالياً بالشكل الصحيح، وهناك العديد من التكاليف التي يضعها التاجر تعتبر تكاليف غير منظورة أو غير محسوبة، مثل التكاليف التي يتكبدها تجار الجملة على المستودعات والطرقات وأجور العمالة وغيرها، لذا فإن البيانات التي ستكون في الفواتير مغايرة للأسعار التي ستكون على المنتجات، لأن هناك تكاليف إضافية يتكبدها التاجر والصناعي لا تحسبها الجهات المسعّرة أو المراقبة للأسعار.
ماذا عن الفساد؟
كما أن عقوبة الحبس يجب أن تقتصر على عمليات الغش والتدليس والتلاعب بقوت المواطنين والاحتكار والاستغلال، أي المخالفات الجسيمة، ولا ننسى أن شدة القانون أمر هام، ولكن الشدة قد تفتح باباً كبيراً للفساد، وقد تكثر الرشا، وتكثر عمليات النصب وانتحال صفة مراقبي التموين التي كثرت حالياً، لأن الرشا ستكون أكبر، على اعتبار أن النسبة الأعم من باعة المفرف والجملة ونصف الجملة لا يطبقون القوانين، وخاصة في وضع الأسعار على السلع لتذبذبها، إضافة إلى عدم تداول الفواتير بشكل دائم.
وقد نبه باسل طحان، مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك مؤخراً، إلى أهمية أن تتأكد جميع الفعاليات التجارية والصناعية من مهمة دورية التموين وشخصياتهم ووقت المهمة، لأن عمليات انتحال صفة مراقب تمويني تكثر في الآونة الأخيرة. كما لفت مصدر في غرفة تجارة دمشق إلى أنه حتى الرشا التي كانت تقدم لبعض مراقبي التموين ارتفعت من 500 ليرة إلى 1000 ليرة..! وذلك وفقاً لم تم نشره في إحدى الصحف المحلية.
إذاً.. فساد كبير في الأسواق، والفساد الأكبر عندما يكون في الجهات المشرفة على قمع الفساد فهنا الطامة الكبرى، لذا فإن توسيع دائرة العقوبات وزيادة الغرامات المالية على مخالفات تعتبر غير جسيمة وعادية أمر يجب أخذه بالحسبان من قبل الجهات التي وضعت قانون التموين والجودة، مع تأكيد أهمية الضرب بيد من حديد على كل من يتلاعب بقوت المواطنين، سواء المحتكرون أو الغشاشون أو من يقوم بالتلاعب بصلاحية المنتجات الغذائية، فهؤلاء يجب معاقبتهم بأشد العقوبات، لأن الضرر الذي يسببونه لا يعتبر ضرراً مادياً فقط، بل أيضاً ضرراً صحياً قد يشمل فئة عريضة من المستهلكين.
كما لا بد من تأكيد أن يكون القانون محاكياً لواقع السوق لا أن يكون عكس ذلك، فالمشكة الحقيقية لدينا هي أن القوانين والقرارات تأتي مغايرة للواقع، وقد لاحظنا أن الفعاليات الاقتصادية والصناعية وضعت نحو 70 ملاحظة على مشروع قانون التموين والجودة.
بالطبع الإجراء أولاً وأخيراً يعتبر في صالح المستهلك، ولكن أيضاً يجب أخذ منعكساته على الفعاليات التجارية والصناعية في الحسبان.. وبالطبع حالياً السوق لا يخضع لقانون معين بل يخضع للمزاجية، وهو يفتقد لأهم عنصر من شأنه أن يضع الأسعار في مستواها الحقيقي، ألا وهو المنافسة، فكثير من التجار أوضحوا ل(النور) أنهم يواجهون صعوبات كثيرة للحصول على موافقة الاستيراد، وهذا من شأنه أن يقلل عنصر المنافسة في السوق ويعزز الاحتكار أكثر من قبل قلة من التجار، مؤكدين أن التجار لا يعامَلون سواسية من حيث الحقوق والواجبات.
الأكثر غرابة هو ما قاله بشار النوري، عضو غرفة تجارة دمشق ل(النور)، الذي أوضح أن التاجر يدفع رشا وأتاوات في المنافذ الحدودية، في المرافئ وغيرها، أكثر مما يدخل إلى الخزينة العامة من أموال، لافتاً إلى أن هناك الكثير من التكاليف التي يضعها التاجر لا تحتسبها وزارة المالية، وأن الفواتير التي يقدمها التاجر يجب الاعتراف بها من قبل وزارة المالية، من أجل الوصول إلى السعر الصحيح والتكليف الصحيح للتاجر من حيث الضرائب المفروضة عليه.
وبالطبع ماقاله بشار النوري دليل على أن هناك فساداً كبيراً في المنافذ الحدودية، وهذا من شأنه أن يشجع التهريب بالدرجة الأولى ويرفع الأسعار بالدرجة الثانية، لأن الاستيراد يعتبر الحلقة الأولى، وعلى أساس تكاليفه يتم تسعير المنتج.
وذكرت إحدى الصحف المحلية على لسان أحد موظفي الجمارك مؤخراً، أن التجار لا يلتزمون بالأسعار الموجودة على البيانات الجمركية، ذلك أن تكاليف الأستيراد لا تعتبر كبيرة، في حين تباع السلعة بفارق سعري وبربح يزيد عن 80% عن سعرها الحقيقي. مما يضع العديد من إشارات الاستفهام حيال عدم مراقبة هذا الأمر، على الرغم من تكرار الحديث عنه في الصحف المحلية.
وهنا نسأل: كيف لقانون التموين والجودة، في حال صدوره، أن يضبط هذا الأمر وهذا الفساد والربح الفاحش الذي يمارسه بعض التجار؟ وكيف له أن يضبط التلاعب بالفواتير وعدم وضع الأسعار الحقيقية عليها؟
ماذا عن الخدمات؟
ولا بد من السؤال عن الخدمات التي تقدم للمواطن، هل سيتمكن القانون من ضبط هذه الخدمات وتقديمها بأسعارها الحقيقية للمواطن؟! فها نحن أولاء نلاحظ بوادر لأزمة الغاز، وحالياً يوجد شح كبير في توزيع المازوت وكذلك البنزين، حتى إن محطات الحكومة تأخذ إكرامية تصل إلى 500 ليرة لكل عشرين لتراً، وهاهي ذي إسطوانة الغاز بدأت تباع في السوق السوداء بأسعار تصل إلى نحو 2000 ليرة وأكثر، وهاهو ذا لتر المازوت يصل إلى 110 و115 ليرة في ريف دمشق، فهل سيتمكن القانون من ضبط كل هذه المخالفات؟ وهل سيتمكن القانون الذي يجب أن يحمي المستهلك بالدرجة الأولى من ضبط الاستغلال الذي يواجهه التاجر والصناعي والمواطن العادي في عمليات النقل؟ فهل تملك الجهات التي ستطبق القانون في حال صدوره مقومات لتطبيقه ومتابعته، بحيث تكون عادلة، وأن لا يقتصر على البائعين البسطاء مثل البسطات، في حين يترك التجار الكبار المخالفون بعيداً عن المحاسبة؟ أكثر ما نخشاه هو حدوث ذلك، وأن تغيب العدالة في تطبيق القانون، وأن يكون هناك أناس تحت القانون وآخرون فوق القانون.. لذا نؤكد أهمية أن يكون تطبيقه عادلاً، وأن يتم العمل بروح القانون لا بنصوصه فقط، مع أهمية أن يكون هناك مكافحة حقيقية لفساد بعض عناصر التموين، وهنا يكمن التحدي الذي يواجه وزارة التجارة الداخلية في تطبيق القانون.
كما لا بد من ذكر أمر هام، وهو أن لا يطبق القانون بشكل مفاجئ، بل يجب توعية جميع الحلقات التجارية والصناعية، بأن تطبيقه سيبدأ بتاريخ معين، وأنه يتوجب على جميع هذه الحلقات أن تلتزم بما يأتي في القانون، مع أهمية تنظيم ندوات ولقاءات مستمرة للتوعية بنصوص القانون في حال صدوره، مع أهمية توعية المستهلك بالدرجة الأولى وجعله يتمسك بحقه وأن لا يتنازل عنه، ودفعه إلى ثقافة الشكوى، وأن تكون الجهات الرقابية قادرة على معالجة الشكوى بشكل فوري، وبشكل عادل، بحيث لا يكون تطبيق القانون على حساب أي طرف من أطراف العلاقة، سواء المستهلك أو التاجر أو البائع، لذا يجب توفير عناصر تنفيذ القانون بشكل صحيح وعادل.
أخيراً، لا بد من أن نكرر أن عقوبة الحبس يجب أن لا تطبق إلا على المخالفات الجسيمة، من احتكار واستغلال وتلاعب بقوت المواطنين وخدماتهم، مع أهمية أن تكون الغرامة المالية كبيرة لبقية المخالفات الأخرى، وذلك وفقاً لحجم المخالفة ونوعها، من أجل ردع التاجر من تكرار المخالفة، فليس من المنطقي أن تذهب دورية لحماية المستهلك إلى تاجر يقوم ببيع الألبسة ولا يوجد أسعار على بضائعه، وتقوم بحبسه لثلاثة أشهر وجعله يدفع غرامة مالية كبيرة، وأن يتم التعامل بالعقوبة نفسها مع من يقوم باحتكار المواد والسلع الغذائية الضرورية، فالمنطقي أكثر هو تثقيف التاجر وتنبيهه من أجل تسعير بضائعه وجعله يتداول الفواتير، ويطالب بها من المصنع أو بائع الجملة، مع الأخذ بالحسبان معالجة أسباب ارتفاع الأسعار، ومكافحة الفساد، لأنه بوجود أسباب ارتفاع الأسعار، فإن هناك صعوبة حقيقية في تطبيق القانون، لأن الأسعار ستبقى تتغير، وبالتالي سيصبح ضبطها صعباً.
يشار إلى أن مشروع القانون تضمن العديد من العقوبات، منها (يعاقب بالحبس بمدة لا تزيد عن شهر، وبغرامة مالية من خمسة وعشرين إلى خمسين ألف ليرة سورية أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من:
أ- علّق بيع سلعة على بيع سلعة أخرى.
ب- أعلن عن بيع سلعة بسعر أو ربح أعلى من السعر أو الربح المحدد لها.
ج- أعلن عن بدل خدمة من الخدمات المحددة بموجب هذا القانون يزيد عن البدل المحدد لها.
د- خالف قرارات تنظيم المهن والتسجيل في السجل التجاري والرخص السنوية.
ه- باع سلعة مسعّرة أو محددة الربح بسعر أعلى من السعر أو الربح المحدد لها.
و- أدى خدمة ببدل يزيد عن البدل المحدد لها أو امتنع عن تأديتها لقاء ذلك البدل المحدد.
ز- لم يعلن عن الأسعار أو بدل أداء الخدمات وفق القواعد التي يحددها الوزير.
ويعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد عن شهرين، وبغرامة مالية من ثلاثين إلى ستين ألف ليرة سورية، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من امتنع عن بيع سلعة معروضة بالسعر المعلن أو الربح المحدد لها أو امتنع عن بيع سلعة مسعّرة ما لم تتخذ شكلاً غير اعتيادي.