سوق بديل.. ولكن ماذا عن التوعية والرقابة والتنظيم؟

البسطات تفرض نفسها على شوارعنا

أثار انتباهي خبر مفاده أن مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في دمشق قامت بمصادرة أكثر من 180 كيلو غراماً من اللحوم التي تباع على البسطات في شوارع دمشق، وأشارت العديد من المواقع الإعلامية المحلية إلى أن بعض بسطات اللحوم للأسف أخذت تبيع لحوم (كلاب) مشوية للمواطنين، على أنها لحوم عواس أو عجل أو جمل.

وبالطبع ظاهرة البسطات التي أصبحت تمتد دون توقف، حملت الكثير من الإيجابيات، كما حملت الكثير الكثير من السلبيات، في الوقت نفسه، ولا يخفى على أحد أن البسطات تعتبر جزءاً من اقتصاد الظل، فهي لا تخضع للقوانين الاقتصادية ولا تحصل على أي دعم حكومي، كما أنها لا تخضع للضرائب والرسوم التي تعود بمجملها إلى الخزينة العامة للدولة.. ومن الملاحظ خلال العام الماضي وحتى هذا العام انتشار البسطات، مع تعدد نشاطها، فهناك بسطات للأجهزة المنزلية الكهربائية، وبسطات خاصة بالأجهزة التقنية مثل الموبايلات، وثالثة تبيع المواد الغذائية مثل اللحوم والأسماك والمعلبات والمتة، وغيرها تبيع الألبسة والأحذية، ويمكن القول بأن نشاط البسطات أصبح متنوعاً كثيراً، بل إنه أصبح يغطي جزءاً ليس بقليل من احتياجات العديد من المستهلكين الذين توجهوا إلى هذه البسطات لسدّ احتياجاتهم اليومية، لأن السلع التي تباع على هذه البسطات تعتبر أرخص نسبياً من السلع التي تباع في المحلات التجارية والأسواق النظامية، كما يعد انتشار البسطات مؤشراً على نسب البطالة وتعطل العديد من العمالة التي كانت تعمل في القطاع الخاص، الذين وجدوا في البسطات ملاذاً للحصول على لقمة عيشهم.

(النور) حاولت إلقاء الضوء حول إيجابيات ظاهرة البسطات وسلبياتها، وكيفية وضع الحلول المناسبة لها، كما حاولت رصد آراء بعض المواطنين حيال البسطات ونشاطها.

سلع منافسة للسوق النظامية

المواطن أبو قصي لفت إلى أن البسطات أصبحت واقعاً لا يمكن إغفاله، فهي حالياً تشغل العديد من الشباب المتعطل عن العمل، مشيراً إلى أنه في حال سألت صاحب أي بسطة، سيقول لك بأنه كان موظفاً في شركة خاصة أو أنه كان يعمل في ورشة خياطة أو في معمل، إلا أنه سُرّح من عمله أو توقف إنتاج معمله، مما دفعه إلى امتهان هذا النشاط التجاري المصغر الذي لا يحتاج إلى رأسمال كبير.

ولفت إلى أن أصحاب البسطات هم أرباب منازل ولديهم أسر ويعتاشون من وراء هذا النشاط، مؤكداً أهمية أن تقوم المحافظة بتنظيم هذا النشاط التجاري وعدم مكافحته إلا بعد تأمين البديل لهم من وظائف أو أي عمل آخر. وعن السلع التي تعرض على البسطات، أوضح أبو قصي أن السلع المباعة على البسطات تعتبر منافسة للسلع التي تباع في المحلات التجارية، وأكبر دليل على ذلك هو أن العديد من أصحاب المحال التجارية صاروا يضعون بسطات لهم أمام محلاتهم التجارية لهدفين، الأول هو منع البسطات من التمركز أمام المحل التجاري، وبالتالي المضاربة عليه من حيث الأسعار، كما أنه يشغل أحد أقاربه عليها، في حين أن الهدف الثاني من هذا الأمر هو تصريف بعض البضائع القديمة الموجودة لدى التاجر على هذه البسطة بأسعار رخيصة.

البسطات: ارتفاع في الأسعار وبضائع رديئة

في حين كان رأي أحد المواطنين مخالفاً لذلك، فقد أشار إلى أن السلع التي تباع على البسطات أصبحت من حيث أسعارها قريبة من أسعار المحال التجارية، فهناك ألبسة تباع بحدود ألفي ليرة للقطعة، مثل البنطال أو الكنزة الرجالية وحتى الأطقم الولادية، والأحذية وغيرها، مشيراً إلى أنه رغم ارتفاع أسعار السلع، فإن هذه السلع تكون رديئة من حيث النوعية، وبالتالي لا تخضع هذه السلع لا إلى الترجيع أو الاستبدال من قبل صاحب البسطة، كما أن العديد من البسطات التي تبيع أجهزة الموبايل تغش المواطنين، إذ يبيعون أجهزة موبايل غير صالحة، ويقومون بتغيير أماكنهم باستمرار لعلمهم بأن المشتري سيعود إلى صاحب البسطة، لكي يرجع الموبايل له، لأنه سيكتشف بعد ساعات أو يوم على الأكثر أن هذا الموبايل لا يعمل جيداً.

مواد غذائية مجهولة المصدر.. ومتاجرة

وأكد هذا الرأي مواطن آخر، فقد أشار إلى أن العديد من البسطات تبيع المواد الغذائية من معلبات وأسماك ولحوم وفروج مجمد، والمستهلك لا يعلم مدى صلاحية هذه المواد ولا منشأها، ذلك أنه يغتّر بسعرها الرخيص الذي يثير الشك في الوقت نفسه، كما أن هذه الأنواع من الأغذية تحتاج إلى شروط معينة من حيث التخزين والحفظ، كما أن هذه الأغذية ليس مكانها البسطات، ولكن مكانها المحال المتخصصة ببيع اللحوم والتي تضعها في أماكن مغلقة بعيدة عن دخان السيارات والأغبرة والأمراض، لافتاً إلى أن البسطات أصبحت للأسف تتاجر بقوت المواطن أيضاً، بالرغم من أنها موجهة لذوي الدخل المحدود، فهناك بسطات تبيع حالياً المتة بأسعار تصل إلى 300 ليرة، وهناك بسطات للمازوت تبيع اللتر ب100 ليرة، وكان هناك بسطات تبيع البنزين والغاز والخبز، وكل مادة يحدث عليها اختناق في السوق المحلية، أي أنها فقدت الغاية المرجوة منها، وهي محاكاة الواقع المادي لذوي الدخل المحدود، بل أصبحت للأسف تاجراً للأزمات.

دخاخني: البسطات أمّنت فرص عمل ويجب تنظيمها

عدنان دخاخني، رئيس جمعية حماية المستهلك أكد لـ(النور)، أن الكثير من البسطات حالياً تفترش الطرقات والشوارع والأرصفة، لأنها مصدر رزق للكثير من الأسر، مشيراً إلى أن ذلك لا يعني أن يكون على حساب المواطن والطفل أثناء سيرهم في الشارع، فبسبب البسطات أصبح معظم المواطنين يمشون في الشوارع لضيق الأرصفة، كما أن العديد من البسطات تبيع مواد غير صالحة، وهناك استغلال بشع لحاجات الناس. ولفت إلى أن الظروف الحالية التي تمر على سورية أدت إلى تحول الكثير من المواطنين، وخاصة العاطلين عن العمل، إلى باعة يعملون على البسطات لكي يحصلوا لقمة العيش، مؤكداً أن تنظيم هذا الأمر ومراقبة السلع التي تباع على البسطات يقع على عاتق المحافظة، إذ يتوجب عليها أن تعمل على وضع البسطات في ساحة معينة بحيث تكون مقصودة من قبل المواطنين، لا أن يتم ترك البسطات تنتشر بشكل عشوائي على الطرقات والأرصفة.

خبير: يمكن تنظيم البسطات

نضال طالب، الخبير الاقتصادي أكد لـ(النور) أن نشاط البسطات عمل على تأمين العديد من فرص العمل للعاطلين عن العمل وخلق سوقاً بديلاً يمكن أن يكون أقل سعراً وأكثر تلبية لحاجات ذوي الدخل المحدود، مشيراً إلى أن هذا النشاط التجاري لا يخضع للضرائب والرسوم، لذا فإن أسعاره تعتبر أرخص من السوق النظامية، وهو سوق رديف بأسعار أقل.

ولفت طالب إلى أن ظاهرة البسطات احتوت على العديد من السلبيات، سواء للشكل العشوائي لها، فهي أعاقت المرور وأربكت الحركة سواء المركبات أو المواطنين، عدا كارثة بيع المواد الغذائية عليها، وهذه خصوصاً تحتاج إلى رقابة تموينية، سواء من حيث صلاحية السلعة أو جودتها، مؤكداً أن مراقبة البسطات هي مسؤولية وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، لا أن تكتفي فقط بالرقابة على المحلات التجارية. وأشار الخبير الاقتصادي إلى أهمية تجميع هذه البسطات في أماكن معينة وتجمعات مناسبة لكلا الطرفين سواء للبائع وللزبون، بحيث تكون هذه المناطق قريبة من التجمعات السكانية ويقصدها الزبون ولا تكلفه الكثير للوصول إليها، كما يجب أن تكون مخدمة بالنسبة للبائع من بنى تحتية وغيره، وهذه هي مهمة المحافظة، بحيث تعمل على توفير بنية تحتية مناسبة لإقامة مثل هذه الأسواق الشعبية، مقابل رسوم رمزية يدفعها صاحب البسطة للمحافظة.

تعليق: منع البسطات ليس حلاً

إن انتشار البسطات انتشاراً كبيراً أصبح يحتم على الجهات الحكومية النظر بجدية إلى هذا الأمر وتنظيمه، لأنه باب رزق للعديد من المتعطلين عن العمل، مع أهمية مراقبة عمل هذه البسطات والتأكد من مواصفة السلع التي تباع عليها، ويمكن أن يتم وضع هذه البسطات في أماكن محددة وتخديمها ولو بشكل بسيط، وفرض رسوم رمزية، مقابل تأمين أماكن لها وتخديمها بالمياه والكهرباء، بدلاً من أن تقوم بسرقة الكهرباء من الشبكة الكهربائية، كما يحدث حالياً، وبالتالي ضم هذا النشاط الاقتصادي إلى الحراك الاقتصادي الحقيقي وتنظيمه في آن واحد، مع الإشارة إلى أن منع هذه الظاهرة دون تنظيمها ومراقبتها لا يعتبر حلاً لها، بل على العكس.

العدد 1194 - 15/04/2026