حلم أمريكي لم يكتمل
تسارعت الأحداث في المنطقة بعد إعلان الرئيس أوباما عن الـ(فانتازيا الأمريكية). والفانتازيا هي التعبير عن حدوث أمر عجيب فيه جوانب للتسلية، كما فيه جوانب للغرابة.. أي الإغراق في الخيال حتى حدود الغرابة..
اعترف السيد أوباما أنه لا يوجد معارضة معتدلة داخل سورية قادرة على هزيمة الأسد. وأن مثل هذا التصور غير واقعي وفانتازيا..! وكأنّ أوباما لا يثق بما يصرّح به، وعاد قبل أيام وطلب من الكونغرس 500 مليون دولار، من أجل تدريب المعارضة المسلحة المعتدلة وتجهيزها.
لم تحقق الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوربيون، باحتلال العراق عام 2003 ، جميع أهدافها الاستراتيجية، فرحلت مهزومة. وطرقت باب بغداد من جديد معلنة عن محبّتها وغيرتها على الشعب العراقي، وهي تضمر بخبث النوايا التي تتقاطع مع المجموعات المسلحة، وتعمل على تعميق الخلاف بين بقايا ورثة النظام الصدامي البائد من جهة، وما يسمى (الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام) من جهة ثانية. وجاءت زيارة جون كيري إلى بغداد وأربيل وإلى السعودية والتقى الملك عبدالله والجربا، وطمأنه على استمرار الدعم بالمال والسلاح، لتكشف عن سعادته المشروطة بتقديم المساعدة الفورية للعراق.
ومن أبرز الشروط التي قدّمها كيري:
أولاً- الاتفاق السياسي.
ثانياً- تشكيل حكومة تمثل كل مكوّنات الشعب العراقي.
ويرى كيري أنَّ تحدّي تشكيل الحكومة، هو التحدّي الرئيسي الذي تواجهه الولايات المتحدة. وأن الرد العسكري على داعش يتخذ مجالين، الأول: عبر ضربات جوية، يمكن أن تساندها تحركات تقوم بها وحدات خاصة استخبارية. والثاني: زيادة تسليح مجموعات المعارضة السورية وتقويتها، وتكثيف هجماتها على مراكز التنظيمات الإرهابية. ومن جهة ثانية طمأنت زيارة الوزير الأمريكي إلى أربيل حكومة البرزاني، مقدمة تأييد للانفصال عن بغداد. وأكد ذلك رئيس كردستان بقوله: (آن الأوان لكي يحدد الأكراد هويتهم ورسمهم لمستقبلهم، إذ إن الاستقلال حُلم لدى الأكراد..). ولا توجد مؤشرات تبيّن مصداقية السياسة الأمريكية خلال تاريخ الولايات المتحدة، فهي الدولة الرأسمالية الأولى في العالم التي لن تنسى الشعار الاستعماري القديم في نهج سياسة (فرّق تسد) و(اتّباع المعايير المزدوجة في التعامل مع الإرهاب في سورية والعراق). وما تزال توزع حصص التفرقة وتبثّ الفتنة الطائفية بين (سنّة وشيعة وأكراد في العراق). وعندما لم تنجح في سورية توجهت إلى العراق بإرسال ما أسمته (الخبراء العسكريين)، مستفيدة من تجربتها المريرة عام ،2003 بعدم التدخل العسكري المباشر.
وترتكز السياسة الأمريكية على السعودية (القاعدة الخليجية المتقدمة). وهي تنقل الأمراء وتحرّكهم كأحجار الشطرنج بين الوزارات والإمارات والمؤسسات الأمنية. وبعد أن استبعدت بندر بن سلطان قبل شهور، أعادته ثانية إلى الخدمة من جديد مستشاراً أمنياً لشؤون الإرهاب ورعايته. وتكليفه بالإشراف على الملف العراقي ومتابعة العصابات الإرهابية ودعمها وشرائها.. ويأتي ذلك بعد فشل بندر في سورية وهزيمته.
ومن القراءة السياسية لما يجري في العراق وفي المنطقة وتشعباته ومراميه، أكد المالكي رئيس الوزراء العراقي أكثر من مرّة، مستفيداً من ما يجري في سورية – بعد تجربة أربعين شهراً- وقال: لا بدَّ من المضي في مسارين متوازيين، الأول العمل الميداني والعمليات العسكرية ضد الإرهابيين وتجمعاتهم، والثاني متابعة المسار السياسي وعقد اجتماع مجلس النواب في موعده المحدد، وانتخاب رئيس للبرلمان ورئيس للجمهورية وتشكيل الحكومة، والمضي قدماً في هذين المسارين هو الذي سيلحق الهزيمة بالإرهابيين. ورفض المالكي تشكيل حكومة إنقاذ وطني. ورأى أنها (محاولة من المتمردين على الدستور للقضاء على التجربة الديمقراطية ومصادرة آراء الناخبين والالتفاف على الاستحقاقات الدستورية).
وتتقاطع المصالح في عملية فرز حادة بين الأطراف السياسية من مختلف المكوّنات، مع مصالح الدول في المنطقة وفي العالم، فضلاً عن وجود تراكمات مزمنة شكلت طبقات من الحقد والكراهية تحت عنوان (تصفية حسابات). ومقابل هذا الواقع وهذه الصور ببياضها وسوادها ورماديتها، فالشعب العراقي هو الذي يدفع ثمن هذه الحرب التي تقودها أطراف عدة بمعادلات مختلفة.
إن مكافحة الإرهاب غَدَت مهمة دولية، فالخطر سيطول الجميع دون استثناء. والقضاء على الإرهاب يبدأ من تجفيف منابعه، ومحاكمة من يموّله ويقدم له الدعم المالي والسياسي والعسكري ويسلّحه ويقيم له مراكز التدريب..