في توزيع مادتي السكر والأرز التموينية في طرطوس ازدحام وفوضى وقرارات ارتجالية!

في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها المواطن، باتت الهموم والصعوبات تطارده كل يوم وليلة، ولم يعُد يجد ما يريحه ويعيد إليه الطمأنينة التي اعتادها على مدى عقود.

اليوم وبعد طول انتظار ومخاض متعثّر، أُفرج عن القرار المتعلق بإعادة توزيع مادتَيْ التموين العائلي (السكر والأرز)، بانتظار بقيّة المواد من برغل وشاي وزيت التي وعدت الحكومة منذ زمن بتوزيعها، والحمد لله أن المواطن لم ينتظر توزيع هذه المواد من قبل المؤسسات الحكومية!

جملة من الاستفسارات والأسئلة التي تطرح نفسها يمكننا أن نوجزها بالآتي:

من هو المسؤول عن توقّف توزيع هذه المواد (سكر وأرز) لأكثر من شهر ونصف، استهلك المواطن خلالها كميات غير قليلة من السكر الحر الذي كان يباع الكيلو غرام الواحد منه بمبلغ 125-150 ليرة سورية، وكذلك الأرز؟ فلمصلحة أي تاجر كبير أو سمسار كان ذلك القرار، كما يقول عدد كبير من المواطنين؟ وأمر آخر يطرحه عدد كبير من تجّار المفرّق الذين يملكون رخص توزيع هذا المقنن، ويتعلق بالسلفة التي عليهم دفعها والتي تتراوح بين 250و400 ألف ليرة سورية.

طبعاً مع إدراك الجميع للمرحلة الحرجة التي نمر بها، والتي يأمل المواطن أن تنتهي قريباً، إلاّ أن بعض القرارات الحكومية الارتجالية كان لها الأثر السلبي الكبير على البقيّة الباقية من ثبات هذا المواطن الذي مازال يصارع ويجابه في سبيل الحفاظ على الوطن وعلى مقدراته.

ما رأيناه وشاهدناه على مدى الأسبوع المنصرم، يدعو إلى الأسى والتفكير في جدوى بعض القرارات الحكومية، كتلك التي ارتأى جهابذة وزارة الاقتصاد أن يقدموها للمواطن على طبق من مرارة وقهر وظلم وتعتير إلى أبعد حد يمكن أن يتحمّله مواطن!

قالوا إن توزيع التموين العائلي عن ستة أشهر بدلاً من ثلاثة، تصب في مصلحة الجميع، ولكن على ما يبدو فإن (الجميع) الذي يقصدونهم هم قلّة قليلة ممّن تصل الكميات إلى منازلهم ومنازل من يمت إليهم بصلة، حتى ولو كان من الجد العاشر، أما المواطن الذي لا حول له ولا قوة، فعليه الحضور إلى أمام المؤسسات قبيل شروق الشمس كي يحجز لنفسه مكاناً، طبعاً مع احتمال أن يعاود الكرّة لأكثر من يوم، لأنه ما إن تفتح المؤسسات أبوابها حتى تبدأ المزاجية في العمل، كما أسرّ لنا بعض من التقينا بهم في طرطوس!

المستغرب في الأمر أن بعض المؤسسات لا يوجد بها إلاّ عامل واحد يتكفل بكل الأعمال من حمل الأكياس إلى فتحها وتعبئة الكميات ووزنها، في حين يتكفل المسؤول عن الصالة بتسجيل الأسماء وقص القسائم وقبض ثمن الكميات من سكر وأرز.. والملاحظ أن عملاً كهذا وطوابير كهذه تقدر بمئات الأشخاص أحياناً تحتاج إلى أكثر من موظفين، وهذا ما اشتكى الموظفون منه في بعض الصالات، مع الإشارة إلى أن أعمار البعض لا تسمح لهم بإنجاز عمل كهذا يحتاج إلى قوة الشباب البدنية، فلماذا لم يتم تعيين عدد من العمال من فئة الشباب؟!

طبعاً لو أردنا تسجيل كلام كل من التقينا بهم لبقينا أياماً، ونحن نكتب ولكن ومنعاً للإطالة والتكرار سنكتفي بعيّنة من هؤلاء المنتظرين تحت حرارة الشمس القوية، لننقل للمعنيين في وزارة الاقتصاد شيئاً من همومهم وصرخاتهم، علّها تجد آذاناً مصغية تعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل هذا الاجتهاد الذي لم يأتِ إلاّ ليربك عمليات التوزيع ويخلق الفوضى التي كادت في أكثر من مكان أن تنتهي بجروح ورضوض وربما حالات وفاة أيضاً!

السيد أحمد نصر، وهو صاحب محل سمانة في منطقة الدريكيش يشكو من سلبية هذا القرار، ويقول بأن العمل في السابق كان مريحاً جداً، وكنّا نستلم السكر والأرز، ثم نقوم بتسليم المؤسسة القسائم التي تثبت أننا لم نتصرّف بالسكر أو الأرز بشكل كيفي، فلماذا عقّدوا العملية وطلبوا منّا سلفة لا نستطيع تأمينها في هذه الظروف، فهل من المعقول أن أدفع أنا بحدود 250 ألف ليرة سلفة للمؤسسة لقاء استجرار مادتي السكر والأرز، لأقوم ببيعها وفق القسائم التموينية؟! أنا أتعامل مع المؤسسة منذ عام ،1985 وكنّا على وفاق دائم ولم تسجل المؤسسة أي ملاحظة على عملي منذ ذلك الحين.

السيد أبو فادي تحدث عن معاناته التي استمرت لأكثر من يوم حتى تمكن من الحصول على السكر والأرز.. ويتساءل إن كان منظر المواطنين وهم يتدافعون في سبيل الحصول على حقّهم يسرّ أصحاب القرار؟ ويضيف: كنّا من قبل نتعامل مع جارنا في القرية الذي لديه دفتر تموين ولم نكن نحسب حساباً لهذه العملية، ولكن عندما راجعناه أخبرنا بأنه عاجز عن دفع السلفة التي طلبتها المؤسسة، وبالتالي لم يتمكن من استجرار الكميات التي كان يستجرها، فقصدنا مؤسسات المدينة علماً أنها تبعد عن قريتنا أكثر من 20 كم.

السيد أبو حيدرة تحدث عن عدم صوابية القرار لأن المؤسسة عوّدتهم دوماً على أن يحصلوا على الكميات التي يريدونها وفق دفتر المتعامل، وكانت في حال وجود نقص في القسائم تفرض علينا غرامة ثلاثة أضعاف قيمتها في حين كانت تعتبر القسيمة التي تزيد عن ما استجريناه ملغاة. كان رصيدنا ثابتاً لفترة طويلة، فما هو السبب الذي دعاهم إلى هذه الطريقة في التوزيع؟!. يطلبون منّا سلفة بحجة أنها ضمانة كي لا نقوم ببيع السكر والأرز بشكل حر، وأنا أسألهم لماذا لم تكن هذه الطريقة من قبل؟!. لماذا لا يعطوننا الكميات التي وافقوا عليها وفق دفاتر المتعامل ويحاسبوننا على كل زيادة أو نقص؟!. أعتقد أنهم يتخبطون في قراراتهم، ولو سألت من تصادفه إن كان هذا القرار ينعكس عليه سلباً أم إيجاباً فأنا أجزم بأنه سيكون جوابه بسلبية هذا القرار الذي آمل أن تتراجع عنه الوزارة رأفة بالناس ورحمة للتاجر الذي لا يملك السلفة اللازمة.. طبعاً نحن ندفع ثمن التحميل والتنزيل والنقل ويطالبوننا بأن نبيع مثل المؤسسة فهل يعقل هذا؟!

السيد أبو غدير يرى أن الوافدين إلى المحافظة كان لهم الدور الكبير في زيادة عدد المواطنين أمام المؤسسات، وطبعاً هذا لا يشكل السبب الأساسي لهذه الفوضى وهذا الازدحام فالقرار الذي قضى بدفع سلفة من قبل التجار الذين كانوا ينتشرون في المناطق والقرى والذين لا يملكونها في هذه الظروف أثّر سلباً على سهولة البيع. أتمنى أن تجد الوزارة طريقة للتوزيع تضمن بها حق الدولة كما تضمن احترام المواطن.

السيدة أم محمد من الشيخ بدر أخبرتنا بأن الازدحام غير المسبوق والتدافع للحصول على التموين من سكر وأرز كاد أن يتسبب بمشكلة قد تسيل بها الدماء، لولا بعض العقلاء ولولا استدعاء عناصر الشرطة لضبط الوضع. وتضيف السيدة أم محمد: لا أعرف ماهو السبب الذي جعل المؤسسات تمتنع عن تسليم التموين العائلي للتجار في القرى، كما كانت العادة من قبل.

السيدة أم ياسر في العقد السادس من عمرها تحدثت بكثير من المرارة وقالت: لي ثلاثة أيام آتي من قرية تبعد عن الدريكيش نحو 15 كم من أجل الحصول على السكر والأرز، ولكن لم أتمكن حتى الآن بسبب الازدحام والفوضى وطريقة تسجيل الأسماء وقلّة عدد العمال في المؤسسة، ولا أعلم إن كنت سأحصل على حصتي اليوم.. دفعت أكثر من 300 ليرة كأجرة طريق فهل خفف هذا القرار عنّا أم راكم همّاً فوق همومنا والمصاعب التي تعترضنا؟!

بعد كل هذه الشكاوى، اتصلنا مع السيد علي سليمان المدير العام للمؤسسة الاستهلاكية بطرطوس، للاستفسار عن كل هذه الأسئلة والمنغصات، فأخبرنا أنه يعمل وفق القرارات الوزارية التي تأتيه وهو لا يمكنه التصرّف إلاّ وفق التعليمات التي يتلقاها. وأضاف: لقد قمنا بعدة جولات على المؤسسات، ولاحظنا العدد الكبير للناس الذين ينتظرون دورهم، ولكن وكما يقال (ما باليد حيلة).

أتمنى أن يساعدنا المواطن في عملنا من خلال التزامه بالدور، فمن غير المعقول أن يتم التوزيع في يوم واحد على كل المواطنين.. الوافدون كان لهم أثر في زيادة عدد السكان في المحافظة، وبالتالي في الازدحام أمام المؤسسات.. هؤلاء هم أهلنا أيضاً، وعلى الجميع أن يتحلى بالصبر كي نتغلب على الظروف الصعبة التي نمر بها.

أخيراً: إذا كانت الوزارة تقول بأنها تخاف من تصرّف التاجر بالمادة من سكر وأرز، وباعتبار أن التوزيع سيتم كل ستة أشهر، فهناك العديد من الطرق والوسائل البديلة للسلفة، كأن يستجر التاجر الكمية التي يسلّم للمؤسسة قسائم عنها من الزبن المتعاملين معه.. بمعنى أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه في السابق وتحفظ حق الدولة، مما يريح المواطن من الانتظار لساعات طويلة، وقد تكون لأيام طويلة حتى يتمكن من الحصول على أبسط حقوقه، فهل من استجابة ياوزارة الاقتصاد لما يأمله المواطن السوري منكم؟! هذا ما نتمناه!

العدد 1194 - 15/04/2026