من أين لك هذا؟!

لا تعتقدوا أنني سأحدثكم اليوم عن المشاريع التي لا تزال نائمة في طرطوس منذ سنوات وسنوات، مادام  المسؤولون في هذه المحافظة يُستنسَخون صورة طبق الأصل كما استنسخت الأمورة دوللي. بل سأحدثكم عن مشروع حيوي يعتزم السيد حماد العلي القيام به. أعتقد أنكم تتذكرون هذا الاسم، وعليكم أن تتذكروه دائماً كلما قرأتم لي مقالة عن المسؤول الفاسد.

سبق لي أن حدثتكم عن صاحبنا حماد هذا، وقد فوجئت بأن عدداً من قرائنا الأكارم قد عرفوه، فهو أشهر من فاسد في محافظة. وطلبوا مني فضحه هو ومن على شاكلته. وقد وعدتهم بتعقب مَواطن فساده علّه يستحي على دمه ­ كما يقال ­ فهو مكشوف لدى الجميع، حتى ولو أولم كل يوم وعزم على ولائمه كل أصحاب الضمائر النائمة الذين لا يهمهم إلاّ ما يدخل فمهم، وحتى لو عرضت صورته كل المحطات الفضائية، وتبنت آراءه (الجزيرة) وأخواتها العواهر من أمثال العربية وفرانس والمستقبل.

بعد أن فاز بالانتخابات كما ذكرت لكم، وتربّع على كرسي المسؤولية في محافظتنا المسكينة، قام بزيارة إلى قريته، وكانت هذه الزيارة مناسبة كي يلتقي به من أعطاه صوته ويبث له حزنه وهمّه .

فوجئ الجميع بكرمه وسخائه، إذ لم يترك مواطناً إلاّ ووجد له الحلول الخلبية لشكواه. ولا أخفيكم أن البعض تمنى لو أنه لم يمنحه صوته، لأنه اشتمّ في حديثه رائحة الكذب والنفاق. وكان على رأس هؤلاء صاحبنا سعيد الحزنان الذي حدثتكم عنه أيضاً.

وقف سعيد وقال له بصوت جهوري: أنت تكذب علينا ياحماد. وقبل أن يدعه ينطق أضاف: لقد توفيت والدتي العجوز من البرد، وماتت البقرة الصفراء التي كنت أحمل حليبها لكم أيضاً من البرد، وها أنتذا  تعدنا بالدفء، ونحن نرقص كزرع عصفت به الريح..!

ساد جو من الهرج والمرج وانقسم الحضور بين مؤيد لكلام سعيد الحزنان ومعارض له. ولم يجد حماد العلي طريقة للهرب من سيل الكلمات النابية بحقه وبحق من انتخبوه. فوقف وأشاح بأوراق في يديه للحضور كي يستمعوا إليه للمرة الأخيرة.

بدأ يقلّب الأوراق فيما انصرف بعض الحضور بعد أن تأكدوا من أنهم خُدِعوا بصاحبنا حماد الذي خالف كل الوعود الانتخابية التي انتخب على أساسها. قال بصوت متهدّج: أيها الأحبة .. يا أبناء قريتي الميامين، أنا أعرف معاناتكم مع البرد، وقد فكرت في إقامة جدار بيتوني يقيكم الهواء الشرقي اللعين، ولكن الله ألهمني إلى فكرة أفضل جاءت في اللحظة الأخيرة قبيل رفع الطلب إلى المستوى الأعلى. ولا أخفيكم أنني حبكت القصة بحيث لن يتمكنوا من رفض الطلب، فاسمحوا لي أن أروي لكم تفاصيل الفكرة.

نهض سعيد الحزنان وغمغم بكلمات غير مفهومة طالباً من الحضور الانصراف، لأنه خبِر حماد العلي وكذبه. بيد أن أحدهم شدّه من قميصه وأجلسه على الأرض، فبدأ حماد يروي لهم كيف أنهم يشغلون باله في الليل والنهار، وكيف أنه يبقى في بيته دون أن يشعل المكيف، في إشارة إلى مشاركتهم اللحظات الباردة. وأكثر من هذا لقد أقسم لهم إنه أحياناً يفتح النوافذ كي تدخل النسمات الباردة إلى منزله ليبقى على تواصل مع معاناتهم.

نهض حمود الأعرج وبدأ يهتف بحياة حماد العلي، الذي طلب منه الجلوس كي يطلعهم على تفاصيل المشروع الذي جاءهم به. جلس حمود الأعرج وتلقى صفعة من سعيد الحزنان لم يكن قادراً على ردّها.

تابع حماد العلي سرد التفاصيل  قائلاً: في هذه الأوراق مخطط لإقامة محطة محروقات في القرية. نحن لسنا بحاجة لأن نبقى رهينة المازوت من كازية ابن فلان وابن علان.. الكازية للجميع، ولن أسمح للهواء الشرقي بعد إقامتها بالتجول بين أسرتكم أو في حقولكم .. الدفء يولّد فيكم أشياء تحبونها.. سيقوي علاقتكم بنسائكم .. البرد سبب كل علّة ..أعرف ذلك.. لن تجدوا في بيوتكم أوعية بلاستيكية فارغة لتملؤوها بالمازوت.

نهض سعيد الحزنان وصاح بأعلى صوته: لا تصدقوه !. هل يعقل أن نلدغ من جحره مرتين؟!.شدّه حمود الأعرج من قميصه وأجلسه على الأرض، ثم نهض حمود أيضاً وبدأ يهتف بحياة حماد العلي واعداً بأنه سيأتي مع أولاده للعمل بشكل مجاني في محطة الوقود.

قبل أن يغادر سعيد الحزنان مع العديد من أبناء القرية قال وهو يرشق حماد العلي بنظراته الحاده: هذه المشاريع تفوح منها رائحة نتنة .. إنها رائحة تشبه رائحتك.. لن تتمكن من خداعنا ثانية .أخرج من جيبه رزمة من الورق ونثرها في الجو وانصرف .. أمسك حماد العلي بورقة متطايرة فوجد عليها:

بلاغ رقم 1: الكازية قيد الإنشاء.. وحماد يريد أن يُراكِمَ ثروته ويستثمر في الأزمة كغيره.

بلاغ رقم 2: الفاسدون لا يمكن أن يحارِبوا الفساد.. كي يحارَب الفساد يجب أن نسألهم: من أين لك هذا ؟!

العدد 1188 - 25/02/2026