قرارات رفع الأسعار تتوالى والمواطن يخشى المزيد أليس من الأجدى مكافحة الهدر والفساد.. بدلاً من رفع أسعار الخبز والسكر والأرز؟

كثير من المسؤولين قالوا سابقاً إن الخبز خط أحمر، ولن نأتي على ذكرهم لأنهم كثر، أما حالياً فربما لم يعد الخبز خطاً أحمراً في نظر الحكومة، فها هي ذي رفعت سعره وأصبح سعر الربطة 25 ليرة.. وبالطبع الزيادة لا تعتبر كبيرة، فهي بقدر 10 ليرات فقط، والعبرة ليست بالعشر ليرات، ولكن المشكلة في حقيقة الأمر، أنا كنا نعتقد أن الخبز هو الخيار الأخير أمام الحكومة في رفع سعره أو في المساس بدعمه، ولكن ما نراه حالياً أنه أصبح من أول خياراتها، على الرغم من تعددها، وهذا يضع العقول الاقتصادية في حيرة من أمرها متسائلة: لماذا خطت الحكومة هذه الخطوة، وتجاوزت الخط  الذي كانت تقول عنه إنه خط أحمر، ورفعت أسعار الخبز، بعد مرور ثلاث سنوات من الأزمة والحرب على سورية؟ وسأل الكثير من المتابعين: أليس من الأجدى أن تعمل الحكومة على ملاحقة الفاسدين والمحتكرين والمتلاعبين والمستغلين، سواء في الأسواق أم التجار أم الصناعيين أو حتى الفساد ضمن دوائرها الحكومية، فهذه الملاحقة ستعيد لها الكثير من الأموال للخزينة العامة، بدلاً من رفع سعر مادة أساسية يحتاج إليها الفقير قبل الغني، وتمس معظم الشرائح في المجتمع؟

بالطبع لن يتأثر الغني بهذه الزيادة، وربما يقول قائل إن هذه الزيادة ليست ذات تأثير كبير حتى على الفقير، وإن معظم المواطنين يقومون بشراء الخبز عن طريق البسطات وبائعي الخبز في الطرق بـ50 أو 100 ليرة للربطة، دون أن يؤثر ذلك عليهم، ولكن نرد على هذه الأقاويل بأن زيادة أسعار الخبز الحكومي تعني زيادة سعره في السوق السوداء أي على البسطات! ونقول أيضاً، زيادة سعر الخبز الحكومي، يعني أنه لم يعد هناك خطوط حمراء أمام قرارات رفع الأسعار التي تصدرها الحكومة، أي أن هناك احتمالاً بأن ترفع الحكومة سعر أي خدمة تقدمها دون أي تردد! ونقول أيضاً إن العشر ليرات التي زيدت على سعر ربطة الخبز ليست مؤثرة على الأغنياء، ولكن تأثيرها كبير على الفقير والعاطل عن العمل وعلى ذوي الدخل المحدود.. فعشرة فوق عشرة أصبحت عشرين والعشرين تصبح ألفاً، فليس الخبز وحده ما ارتفع سعره فقط، بل كل شيء أصبح سعره مرتفعاً أمام الدخل الذي يتقاضاه المواطن.

حتى السكر والأرز التمويني.. والمواطن يخشى المزيد!

لم تكتف الحكومة برفع سعر الخبز، بل قررت أيضاً رفع أسعار الأرز والسكر التمويني بنسبة 100%، أي أصبح سعر كيلو الرز التمويني 50 ليرة بدلاً من 25 ليرة، وأصبح سعر كيلو السكر التمويني أيضاً 50 ليرة بدلاً من 25 ليرة.. وبالطبع هذان القرارين صدرا معاً، وكأن الشهية الحكومية فتحت على قرارات رفع الأسعار، وأصبح المواطن يخشى من قرارات أخرى تصدر قريباً تشمل بقية المواد والخدمات، خاصة أن هناك إشاعة ذات رائحة قوية تقول إن هناك نية حكومية لرفع سعر ليتر المازوت أيضاً 20 ليرة ليباع بـ80 ليرة، على الرغم من أنه يباع حالياً في الصيف بأكثر من 100 ليرة لليتر، أي أنه في حال رفع سعره إلى 80 ليرة لليتر، فإنه سيباع في الكازيات وفي السوق السوداء بـ160 ليرة أي الضعف، وبالطبع هذا ينطبق على السكر والأرز التمويني، إذ يباع كيلو الأرز أو السكر في منافذ الاستهلاكية على البطاقات التموينية بـ 27.5ليرة، على الرغم من أن سعره السابق هو 25 ليرة، وفي حال أردت الحصول عليه دون الانتظار ودون وقوف لساعات طويلة في الطابور، فما عليك إلا أن تدفع 37.5 ليرة على ثمن الكيلو، فيصل إلى منزلك دون تعب، وحالياً ربما سيباع سعر الأرز والسكر في منافذ توزيع الاستهلاكية بأكثر من 50 ليرة، والحجج جاهزة بالطبع، وما على المواطن إلا أن يدفع دون أن يتكلم!

ماذا عن مكافحة الفساد والهدر؟

ما نود الإشارة إليه هو أن مسبحة القرارات الحكومية ربما (كرت وفرطت)، وأصبحت القرارات تصدر دون سابق إنذار، والأخطر من ذلك أن جميع قرارات رفع الأسعار تمس سلعاً وخدمات مقدمة لمعظم شرائح المجتمع، إلا أن المتأثر الأكبر  بهذه القرارات هي طبقة ذوي الدخل المحدود والفقراء والعاطلين عن العمل. وهنا لا بد من طرح سؤال هام: هل استنفدت الحكومة كل قرارات رفع الأسعار حتى قامت برفع أسعار الخبز؟ وهل استنفدت كل القرارات الحكومية الخاصة بمكافحة الغش والتدليس والاستغلال والفساد المالي والإداري ووقف الهدر الحكومي حتى قامت برفع أسعار الأرز والسكر التمويني اللذين يمسان كل شرائح المجتمع؟ أليس من الأجدى للحكومة أن تعمل على مكافحة الهدر في مؤسسات العامة، سواء الهدر في المال والهدر في الوقت والهدر في الكهرباء والهدر في الماء والهدر في المحروقات، وأن تكافح سرقة الكهرباء وسرقة الماء، من أن ترفع أسعار مواد وخدمات تمس الشريحة الواسعة في المجتمع؟ هل تعلم الحكومة أنه في حال مكافحة الهدر فإنها تحقق وفراً بالمليارات.. ماذا تنوي الحكومة؟.. هل سترفع الدعم نهائياً أيضاً عن الخبز؟.. هذا ما نخشاه؟.. ونخشى أن تصدر قرارات أخرى تمس الكهرباء المنزلية، وتمس الغاز وتمس المازوت وتمس النقل وتمس الدواء، لأن دخل المواطن لم يعد قادراً على تحمل قرارات رفع الأسعار التي تجاوزت 20 قراراً خلال الأعوام الثلاثة الماضية، في حين لم يشهد المواطن أي قرار يقر خفض أسعار مادة معينة أو خدمة مقدمة من الحكومة.. فعلى العكس ارتفعت الرسوم والضرائب وأصبحت الفواتير مخيفة ومثقلة بالضرائب، وأصبحت الخدمات غالية جداً، وأصبحت المعيشة مرتفعة جداً جداً، ولم يعد الدخل يكفي لمنتصف الشهر، بل لربعه الأول.

وهنا نؤكد أهمية أن تتراجع الحكومة عن قرارات رفع الأسعار، سواء المتعلقة بالخبز أو التي تتعلق بالسكر والأرز التمويني، وأن تحافظ على دورها الأبوي والاجتماعي، وأن تعمل كما ذكرنا على مكافحة الفساد والهدر في المال العام، لأنه أكثر جدوى في رفد الخزينة العامة بالأموال.. فنحن نعلم أن الحكومة تواجه تحديات مالية كثيرة في ظل الأزمة الراهنة، ولكن يجب على الحكومة أن تبحث عن مطارح ضريبية لا تمس شريحة ذوي الدخل المحدود التي تتسع في كل يوم، وأن تفرض ضرائب على شرائح معينة من التجار والصناعيين، أي على من دخله قادر على التحمل، فلتفرض على الأغنياء ضريبة مؤقتة، ولتبقي ذوي الدخل المحدود والعاطلين عن العمل بعيدين عن قراراتها الخاصة برفع الأسعار.

الوزير يوفر

وكان وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك سمير قاضي أمين قال مؤخراً: إن قيمة الوفر المالي في المبالغ المخصصة لدعم رغيف الخبز بسبب رفع سعر ربطة الخبز بلغ 17.91 مليار ليرة سورية على أساس كمية 7 آلاف طن يومياً من الدقيق المخصص لصناعة رغيف الخبر لكامل سورية على مدار العام، مشيراً إلى أنه عندما كان سعر الربطة 15 ليرة سورية كان سعر صرف الدولار حينئذ 50 ليرة، أما اليوم فإن سعره نحو 160 ليرة، وهذا يعني أننا لا نزال نحصل على ما يقارب 30% من القيمة الحقيقية لفرق الدعم. ولفت إلى أنه رغم رفع سعر ربطة الخبز فإنه لا يزال خطاً أحمر، لأن المبالغ الموفّرة قد لا تستوفي ثمن المياه والملح الداخلة في صناعة الرغيف، ولا حتى الأجور التي ندفعها دون أن ننسى أن إعادة إعمار الأفران المتضررة خلال الأزمة وتجهيزها تكلف أكثر من 25 مليون ليرة للمخبز الواحد.

العدد 1188 - 25/02/2026