الإمبريالية… استثمار الدين في السيطرة والتدمير

المطلع على تاريخ السياسة الاستعمارية الإمبريالية، وخاصة الأمريكية، يجد أن استثمار الدين هو أحد الثوابت الأساسية والأساليب الراسخة فيها، لضرب المجتمعات الإنسانية بواسطة تشويه مضامينه الإنسانية الخيرة. وهذا ليس بغريب على الشخصية الأمريكية التي تستند إلى مقولات دينية متطرفة. وما اختزنته من تفاسير غير منضبطة، تؤول في محصلتها إلى تلك الحرية في التفسير التي أطلق لها العنان مؤسس البروتستانية مارتن لوثر، والتي كانت السبب الرئيس في تلك المطابقات التاريخية التي وجدها الكثيرون من المهاجرين بين تجربة استيطان أمريكا وما انطوت عليه من هجرة وتيه إلى البر الأمريكي، وبين بعض الأحداث والمقولات التي وردت في الكتاب المقدس عن التيه في سيناء، والعودة إلى أرض كنعان وغيرها، والتي كانت السبب الأساس في التقارب بين أصحاب هذه التفسيرات وأنصارها، وبين ما أودعت الحركة الصهيونية من مقولات مزورة، ومدسوسة، حول العودة إلى (أرض الميعاد) وحول(شعب الله المختار) وغيرها من المقولات!

.وهذا ما تجسد في معظم السياسات الغربية، فالرئيس الجنرال (دوايت أيزنهاور) هو أول رجل دولة أمريكي يرى في الإسلام مشتركاً سياسياً أساسياً في صنع استراتيجيا سياسية وعسكرية من أجل احتواء دول منطقة (الشرق الأوسط) بعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945). وهذا ما سار عليه الكثير من العاملين في السياسة الغربية الإمبريالية.وهذا ما يؤكده محمد حسنين هيكل في ملفات أوراق الإدارة الأمريكية في حقبة الخمسينيات( نشره في مجلة وجهات نظر السنة2 العدد 36 ك2/يناير 2002 ص4-17). يتضح أن جون فوستر دالاس، وزير الخارجية في عهد أيزنهاور، يرى (أن الدين هو السلاح الأكثر فعالية ونفاذاً في العالم الثالث، لأنه بحسب رأيه (الهوية التقليدية لشعوب وأمم ما زالت على وعيها العذري الفطري). وأن شقيقه آلان دالاس مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تولى مهمة (إطلاق الأفكار لا إطلاق النار) باعتماد (سلاح الاعتقاد) ضد تهديد الإلحاد.

إن تاريخ الصراع مع القوى الإمبريالية يثبت أنها واجهت حركة التحرر الوطني العربي بواسطة تنظيمات تكفيرية ظلامية وأنظمة عميلة صنعتا المخابرات الغربية. وهو ما تقوم به اليوم في عدوانها على سورية المتعدد الجوانب لإركاع شعبها وجيشها وقيادتها الوطنية والقومية. وقد ربَّتْ شيوخ الفتنة التكفيريين ليدبُّوا الفرقة بين أبناء الشعب الواحد. فمن يقرأ التاريخ جيداً لا تعوزه الفطنة ليكتشف أنه مع قدوم كل مشروع استعماري جديد يطل علينا شياطين الفتاوى والفتنة، فلكل مرحلة شياطينها الخاصون.  فعندما احتل الفرنجة بلادنا نهض ابن تيمية بأفكاره التكفيرية. وفي القرن التاسع، عندما شرع الإنكليز برسم جغرافيا جديدة للوطن العربي نهض شيخ الوهابية محمد بن عبد الوهاب بأفكاره التهديمية التي تستند على الفكر الماسوني. وفي ظل الوجود البريطاني في مصر تكونت حركة الإخوان المسلمين. وفي الزمن الصهيوني الأمريكي ومشروع (الشرق الأوسط) بمسمياته المختلفة والذي يهدف إلى إعادة تقسيم المنطقة على أسس طائفية وإثنية وعرقية ينهض يوسف القرضاوي الذي تربى في أحضان الاستخبارات الغربية من أرض قطر، القاعدة العسكرية الأمريكية والتي يحتلها الأمريكان، ليفتي بقتل السوريين وكل القوى المقاومة للمشروع الإمبريالي الصهيوني في المنطقة. ولا يختلف عنهم من يطلقون على أنفسهم منشقين و(معارضين) في الخارج، وخونة ومرتزقة يطالبون بقصف سورية وتدميرها من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وأذنابها في المنطقة

فبعد اقتناع الساسة الإمبرياليين بأنه لا يفل المقاومة في المنطقة إلا مجموعات تكفيرية متشددة تلبس عباءة الإسلام، بدؤوا بتنفيذ مخططهم القديم وتفعيله بهدف تدمير وتشويه الإسلام، بما يسمى حركات إسلامية متشددة تكفيرية تثير البدع وتعمل على حرف الصراع في المنطقة عن مساره الصحيح، فتحوله إلى صراع مع إيران، التي حولت إيران من قاعدة أمريكية صهيونية إلى قاعدة للمقاومة للدول الاستعمارية. وتعطيه الصبغة الدينية تحقيقاً لأهداف الصهيونية في إعطاء الصراع صبغة دينية كمقدمة لإقامة الدولة اليهودية في فلسطين، وضرب الفكر التقدمي المقاوم. فبدأت بإخراج بضاعتها من الماركات التكفيرية الإسلامية من مستودعاتها بشرطين: هما الاعتراف بالكيان العنصري الصهيوني في فلسطين، وتأمين استمرار النفط إلى الولايات المتحدة الأمريكية بشروطها. ولقد استغلت الإدارة الأمريكية وحلفاؤها من القوى الاستعمارية عملية 11أيلول /سبتمبر 2001 التي صنعتها بالتنسيق مع الصهيونية العالمية للبدء بتنفيذ مشروعها الاستعماري الجديد.

ولقد كشف بريجنسكي، رئيس الأمن القومي الأسبق، في واشنطن تفاصيل هذا المشروع في حديث أجرته معه مجلة (لونوفيل أوبسرفاتور) الفرنسية، الدور الذي قامت به واشنطن برعاية التنظيمات الإرهابية وتمويلها وإحياء التنظيمات الأصولية المتطرفة التي أنشأتها مند عشرات السنين لاستخدامها في مشروعها التدميري لإعادة صياغة خريطة (الشرق الأوسط)، إذ مارست أبشع الجرائم بحق الشعب العربي في سورية وليبيا ومصر والعراق وتونس واليمن وغيرها.

كل هذه الحقائق والمآسي تطرح مجدداً مشكلة استخدام الدين والإرهاب من جانب الإدارات الأمريكية (بفيلها) و (حميرها) المتعاقبة وأجهزة استخباراتها، منذ عهد أيزنهاور إلى أوباما، لتخريب وطننا العربي وتدميره وتفتيته بالتعاون مع الدول الاستعمارية وأذنابها من الحكام العرب، وخاصة في الخليج العربي.

أمام هذا الواقع يفرض علينا واجبنا الوطني والقومي والإنساني والأخلاقي أن نستنهض الهمم الوطنية والقومية لتعرية كل شيوخ الفتنة، وكل من يستخدم الدين في السياسة، ومنع أعداء الدين والأمة من أن يعبثوا به، وتعرية أهداف الإمبريالية والصهيونية وخطورتها على الشرائع السماوية والمجتمعات والإنسانية عامة. وهذه مسؤولية تقع على علماء الأمة الحقيقيين المعروفين، وهم ليسوا مجهولي النسب ممن تربوا في حضن الاستخبارات الغربية، وكل القوى الوطنية والقومية المقاومة وكل المفكرين والمثقفين والأدباء والصحفيين والإعلاميين وأبناء الأمة الشرفاء جميعاً.

العدد 1194 - 15/04/2026