«الربيع العربي» وعودة ظهور الفكر الإقصائي

قلبت الحرب الأمريكية على العراق الموازين السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط، فقد أدت هذه الحرب إلى تدمير العراق، وفي مقابل ذلك انشق الصف العربي وانهار التوازن الذي كان يحكم المنطقة العربية منذ الخمسينيات، والذي كانت أعمدته الأقوى الرياض – القاهرة – دمشق عندما قررت دمشق الانضمام إلى محور الممانعة الذي تشكّل من دمشق وطهران وفصائل المقاومة اللبنانية والفلسطينية. هذا الأمر أدى إلى تراجع نفوذ ما بدأ يُعرف في الأدبيات السياسية (بِعرب الاعتدال) وقابل تمدد محور الممانعة وتسجيله لانتصارات عديدة على أكثر من محور. وعند هذا المنعطف بدأت أنظار محور (عرب الاعتدال) تتجه صوب تركيا حليفاً جديداً لها ضد إيران، وخصوصاً عندما قررت المملكة العربية السعودية أن صراعها مع إيران هو صراع طائفي وليس صراعاً سياسياً، واعتقدت الرياض أن الشعب التركي الذي يتقاطع مذهبياً مع محور (عرب الاعتدال) وجيشه القوي يستطيع أن يلعب الدور الذي كانت تلعبه بغداد كحارس للبوابة الشرقية ليمنع تغلغل النفوذ الإيراني في المنطقة العربية.

لكن تركيا، في تِلك الفترة، رفضت العرض السعودي (بدبلوماسية) أن تكون زعيمة العالم الإسلامي، وأكّدت أنها دولة علمانية النظام، وأنها ضد الاستقطاب المذهبي والطائفي في المنطقة، وأنها تؤيد الحوار مع طهران. ولكنها في الوقت نفسه استثمرت هذه الحاجة الرسمية العربية لها في توقيع العديد من الاتفاقيات التجارية والاقتصادية مع العالم العربي من المحيط شرقاً إلى المحيط غرباً.

داود أوغلو وعودة العثمانيين الجدد

كشفت سياسة العمق الاستراتيجي التي وضعها داود أوغلو عن خلاف واسع بين الإسلاميين والكماليين في قراءة الإرث العثماني في المنطقة. فبينما يرى أنصار مصطفى كمال أتاتورك أن التاريخ العثماني الإسلامي كان السبب في تخلّف البلاد، رأى الإسلاميون هذا التاريخ مصدر فخر واعتزاز لهم، وأن الدولة العثمانية قد منحت رعاياها العدالة والأمن والازدهار، إذ كان الوضع في القوقاز والبلقان وعموم منطقة الشرق الأوسط أفضل حالاً تحت حكم العثمانيين.

ويرى الإسلاميون في تركيا، أن الدولة العثمانية قد نجحت في تحقيق العدل وإقامة مجتمع متسامح متعدد الأعراق، بغض النظر عن الدين أو المذهب. واستمرت هذه الحالة حتى استشرت دسائس الأوربيين التي عملت على تغذية الانقسام داخل المجتمع التركي، وحرّضت الأقليات غير التركية من غير المسلمين على التمرد، مما تسبب في النهاية في سقوط الدولة العثمانية. ويعتقد داود أوغلو أن مغالاة الكماليين في إبعاد تركيا عن تاريخها وجغرافيتها كانت السبب في تحجيم قدرة تركيا ومنعها من التأثير القوي على الأحداث التي عصفت في المنطقة. الأمر الذي دفعه إلى وضع نظريته (العمق الاستراتيجي) في محاولة للخروج من الطريق المسدود الذي وصلت إليه السياسة الخارجية والداخلية التركية، ومعالجة المشكلة الكردية والعلوية في تركيا عن طريق تبني نهج مغاير لنهج الكماليين الذين اعتمدوا القومية مبدأً أساسياً في رسم الشخصية التركية.

إن الغزو الأمريكي للعراق سمح لأنقرة بالتمدد اقتصادياً داخل الدول العربية وتَبِع ذلك غزو ناعم خططت له أنقرة بهدوء وصبر، وكان رأس حربة هذا الغزو المسلسلات التركية المدبلجة التي قدمت نمط حياة مختلف لدولة كانت معقلاً لآخر خلافة، ولجمهورية عصرية يحكمها حزب ذو توجه إسلامي. وبعد أن مهدت أنقرة (بقيادة العثمانيين الجدد) الطريق اقتصادياً واجتماعياً، لم يبقَ لها سوى أن تسيطر سياسياً حتى تتمكن من أن تصبح عاصمة مهمة عالمياً… وهذه الفرصة لاحت عندما هبّت عواصف (الربيع العربي) حاملةٍ إلى سدة السلطة تيارات الإسلام السياسي في المنطقة. لكن رياح (الربيع العربي) جرت بما لا تشتهي سفينة العثمانيين الجدد، فقد نامت تركيا على قصص العمق الاستراتيجي التي كتبها داود أوغلو وطاقمه من حزب العدالة والتنمية، العديم الخبرة والفاقد البصيرة والكفاءة، ليستيقظوا وتستيقظ معهم تركيا ويجدوا أنفسهم مرميين في بئر عميقة من المشاكل الداخلية والخارجية.

العودة إلى الجذور

إن تراث الأمم هو نتاج التراكم الكمي والكيفي لخبرات طويلة، تعود إلى بدء استقرار الإنسان على الأرض وارتباطه بها. وإن الثقافة التي تنشأ في هذه المنطقة هي حاصل تفاعل جدلي داخل هذا المجتمع الذي نشأ على هذه البقعة من الأرض أولاً، ونتيجة التواصل بينه وبين المجتمعات الأخرى ثانياً. هذا الجدل الداخلي والاحتكاك الخارجي يُشكل مع الزمن المنظومة الفكرية والعقائدية التي تعمل على صياغة مفاهيمه السياسية الاجتماعية، وتشكل الأنماط السلوكية لهذا المجتمع.

سيد قطب الذي يُعد الأب الروحي للتنظيمات الإرهابية التي اتخذت من الإسلام ستاراً لتمارس بواسطته أبشع عمليات القتل والتدمير، والتي بلغت ذروتها مع تنظيم القاعدة الذي يستلهم أفكار ابن تيمية في تقسيم العالم إلى دار الإيمان ودار الكفر من أجل إشعال الحروب الدينية بتوجهاته وأيديولوجياته المتطرفة، والتي تدعو إلى القتل على أساس الهوية والمعتقد، وإرهاب المخالف فكرياً ومذهبياً، وحتى تنظيمياً. الأمر الذي يثير الفتنة باسم الدين، فباسم الدين بدؤوا باغتيال الحياة، وتدمير الطبيعة الفطرية للإنسان، من دون الأخذ في الحسبان أن للمجتمعات حساباتها، وللإنسانية اعتبارها، وللأهداف العليا للأديان قيمها، التي تهدف إلى الارتقاء بالسلوك الإنساني وتهذيبه الإنسان ليصبح عضواً فعالاً في المجتمع، لا أن يتحول إلى وقود ليخرب الأملاك والأرزاق، ويقتل الأبرياء من دون ذنب. هذه الأفعال التي تنشأ عن التصورات الخاطئة والمعتقدات المتطرفة، والتي للأسف يجري تسويغها دينياً، وإلباسها ثوب الفتوى، والدين منها، وممن أفتوا بها براء.

 فأي دين يبيح ما ارتكبه مسلحو الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش) من وحشية بحق طيار سوري، كانت المقاتلات التركية قد أسقطت طائرته فوق الأراضي السورية، حيث قام عناصرها بقطع رأس الطيار السوري، بعد أن سقط بمظلته في منطقة خاضعة لسيطرتهم. ولم يكتفِ هؤلاء بجريمتهم، بل نشروا صوراً ومقطع فيديو يظهر ما ارتكبوه بحق الضابط الأسير. والسؤال هنا: أليس ما ارتكبه هؤلاء يُعد سفكاً للكرامة الإنسانية؟ وهل هذا السلوك يُشرِّف الدين أي دين، أو يزيده رفعة؟ أم أن هذا السلوك يدفع الرأي العام العالمي إلى وصم أتباع هذا الدين بالإرهاب والتخلف والوحشية. كذلك قامت مجموعة إرهابية من الضباع البشرية في تونس بقطع رؤوس بعض الجنود التونسيين، بعد أن نصبت لهم كميناً، وأطلقت عليهم النار، بجبل الشعانبي. وفي يوم الإثنين الموافق 23/9/2013 شنت حركة الشباب (المجاهدين) الصومالية المتطرّفة هجوماً على مركز تجاري وسط العاصمة الكينية نيروبي قُتل فيه نحو 68 شخصاً وجُرح 200 شخص. والأبرياء الذين قتلوا في هذا الهجوم الغادر ليسوا سوى جواز عبور لأولئك المتطرفين إلى ما يسمونه (الجنة)، فالطريق الوحيد للوصول إلى هناك يمر عبر قتل الأبرياء وتخريب الممتلكات، وإشاعة الخوف بين الناس في كل مكان من أرجاء المعمورة.

سقوط مرسي والموجة الثانية من (الربيع العربي)

أما بالنسبة للتيارات الجهادية، فقد ترابط الصعود السياسي للإخوان في دول الربيع العربي، وتزايد نشاطها في هذه الدول، رغم التباين الشديد بين الفكر الجهادي ونظيره الإخواني. وتزامن وصول الإخوان إلى الحكم في مصر، مع تنامٍ ملحوظ في نشاط الجهاديين في بعض المناطق مثل شبه جزيرة سيناء، وهو ما تكرر في تونس أيضًا. فمع وصول حزب النهضة الإسلامي إلى الحكم، شهدت تونس تصاعدًا لنشاط التيار الجهادي، بل إنها أصبحت القاعدة الأساسية للعديد من التنظيمات الجهادية في شمال إفريقيا. إذ تحولت جبال الشعانبي التونسية إلى (معقل) لهذه التنظيمات الجهادية، الأمر الذي دفع الجيش التونسي إلى التدخل العسكري ضد هذه التنظيمات. أما في اليمن، فقد تزايد النشاط الجهادي بعد الإطاحة بالرئيس السابق علي عبد الله صالح، إذ تصاعدت قوة تنظيمَيْ (القاعدة) و(أنصار الشريعة) في الفترة الأخيرة التي تلت تصدر الإخوان المسلمين للمشهد السياسي.  أما سورية فقط أصبحت (كعبة) الجهاد العالمي والمقصد الأساسي لكل التنظيمات التي تعتنق العقيدة السلفية الجهادية ولكل شذاذ الآفاق والمرضى النفسيين.

وأخيرًا، إن فشل الإخوان في حكم مصر، سوف يفرض تداعيات عديدة على كل التيارات الإسلامية في المنطقة، ولكن على نحو متباين بين تيار وآخر، ذلك أن سقوط الإخوان وجّه ضربة قوية لما يسمى ب (المشروع الإسلامي)، الذي يمثل القاسم المشترك بين كل التيارات الإسلامية في المنطقة، وأحد أهم الوسائل الدعوية التي تستند إليها هذه التيارات في حشد الأنصار والمريدين.

إن السقوط المروّع للإسلام السياسي في مصر جعل واشنطن تعيد حساباتها في مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي كان يهدف إلى تسليم المنطقة بكاملها، لا مصر وحدها، إلى الإسلام السياسي لتفتيتها إلى دويلات لا حول لها ولا قوة، وإلى زرع بذور نزاعات لا نهاية لها طائفية ودينية وعرقية بين سكان وشعوب المنطقة من أجل أن تبقى إسرائيل وحدها القادرة على قيادة المنطقة من دون منازع. ومن أجل ذلك ساهمت واشنطن مساهمة إيجابية فعّالة في وصول الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم في مصر بالتحديد. هذا الرهان سقط سقوطاً مروعاً، وبناء عليه أصبحت الإدارة الأمريكية في وضع يجبرها على إعادة حساباتها. حاولت الولايات المتحدة الأمريكية بمساعدة الأتباع في أوربا الغربية إنقاذ الإسلام السياسي وتصوير ما حدث في مصر يوم 30/6 الماضي على أنه انقلاب عسكري على الشرعية، ولكن الوضع كان عكس ذلك تماماً. وبعد أن اكتشفوا عبثية هذا المنطق، بدؤوا بإعادة حساباتهم تحت مسمى ما لا يمكن أن تحصل عليه كله ليس بالضرورة أنك تفقده كله، أي محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من تأثير الإسلام السياسي في المنطقة، وألا تنتهي أو تقفل صفحة الإسلام السياسي في المنطقة ومصر، إلى الأبد. وبناء عليه دخلت واشنطن بكل قوتها يعاونها الأوربيون ومن يساعدهم من الطابور الخامس في مصر في تنفيذ خطة مرادفة تهدف إلى إبقاء تأثير الإسلام السياسي في القاهرة، أي إنقاذ الإخوان المسلمين من الانهيار الكامل وإنقاذهم من فكرة حل الجماعة ومصادرة أموالها.

إن معركة القضاء على الإسلام السياسي والفكر المتطرف الذي ينشره ليست معركة سهلة، وستمتد سنين طويلة تتخللها معارك على أكثر من جبهة، أهمها المعارك على الجبهات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتي يجب أن تهدف إلى نشر ثقافة المسامحة والارتقاء بالمستوى الثقافي للإنسان العربي، والعمل على تأمين معيشة كريمة له. فبهذه الطريقة فقط نستطيع السيطرة على نقاط الضعف في مجتمعاتنا التي تستغلها القوى الرجعية للتسلل إليها وبث سمومها ونشر حقدها بين أبناء الوطن الواحد.

العدد 1190 - 11/03/2026