ألف باء ماركسية… توضيحات نظرية وأيديولوجيّة مبسطة
لماذا يقرن الناس بين الشيوعية والإلحاد؟ ماالشيوعية أصلاً؟ وهل صحيح أن الشيوعي لا يؤمن بالله وبرسوله…أسئلة يتداولها شبابنا. لذلك أكتب هذه المقالة المتواضعة في محاولة مني لدحض التشويهات والأفكار المسبقة حول الشيوعية.
ماهية الشيوعية
لننطلق في تفسيرنا للكلمة من معناها اللغوي فالشيوعية وهي من شاع يشيع شيوعاً، أي ذاع وانتشر، ويقال فكرة شائعة بين الناس أو حتى في لهجتنا العامية (أرض عالشياع) في إحالة إلى معنى المشترك بين المجموعة. كذلك الحال في الفرنسية، فمعنى الكلمة يكاد لا يختلف عن العربية، وهو المشترك(Commun) isme
أما فلسفياً فالشيوعية هي نتاج فلسفة تدعى المادية الجدلية أو الديالكتيكية، كما تعرف أيضاً بالماركسية. وهي فلسفة علمية تقوم على مجموعة قوانين من بينها التحول والتطور بالتناقض من أجل توعية طبقة الشغيلة بالمظالم المسلطة عليها من قبل الأقلية البرجوازية التي كانت تستعمل هي الأخرى فكراً ميتافيزيقيا يقوم على الركود والهدوء ورفض التغيير وتمييع البروليتاريا وتجريم العمل النقابي الثوري.
في حين ارتكزت الشيوعية من حيث هي كأيديولوجيا على تقويض أسس الاستبداد البرجوازي وتوسيع دائرة الملكية المشتركة لوسائل الإنتاج، حيث لا توجد مبادئ خالدة للملكية الخاصة أو أفكار أبدية لسلطة الرأسماليين على العمال.
أما أولى تجارب الشيوعية في العالم فكانت مع لينين والثورة البلشفية في 1917. وحتى نكون اكثر موضوعية لنقل إن الشيوعية لم تتحقق في أي مكان من العالم حتى الآن. فما حصل في روسيا والصين مثلاً ليس إلا تجارب اشتراكية حديثة، مثلها كمن يزرع أرضاً لأول مرة، والهدف من هذه التجارب الرقي إلى الشيوعية وهي مرحلة متقدمة من الاشتراكية.
أما مبادئ الشيوعية فتتمحور حول مقاومة الجور والفساد و نصرة الفئات الشعبية المهمشة ومحاربة الاستغلال الإمبريالي لضعاف الحال و معاداة الكيان الصهيوني الغاصب.
الدين أفيون الشعوب
تنسب هذه المقولة إلى كارل ماركس، وهي الفرصة التي انتظرها أعداء الماركسية طويلاً ليشوهوا هذه النظرية متهمين الشيوعيين بالكفر والزندقة. إلا أننا إذا اطلعنا على السياق الذي وردت فيه هذه الجملة لعلمنا أن المقصود بالمقولة ليس شتم الدين أو الاستنقاص من شأنه، إنما هو نقد لتوظيف الدين لخدمة الأغراض الخاصة والضيقة، لا سيما أن الفئات البرجوازية المستغلة بداية من القرن الخامس عشر لطالما تسترت بالدين، فجرمت الكنيسة التحركات العمالية ضد السلطة بدعوى أن في تغيير النظام ثورة على المشيئة الإلهية، فإن كان الله رافضاً للطبقية لخلقنا على قدم المساواة وهلم جرا من التجاوزات باسم الدين.
ويشهد التاريخ بسعي الشيوعية إلى ضمان حق حرية التدين، ولعل نداء لينين للمسلمين في 1917 خير دليل على ذلك، فقد أُعيدت على أثره الآثار والكتب الإسلامية المقدسة التي نهبتها القيصرية إلى المساجد. وقد تم تسليم القرآن الكريم المعروف بقرآن عثمان في احتفال مهيب إلى المجلس الإسلامي في بتروغراد في 25 كانون الأول (ديسمبر) سنة 1917. وقد أُعلن يوم الجمعة، يوم الاحتفال الديني بالنسبة للمسلمين، يوم الإجازة الرسمية في كل آسيا الوسطى. (نشرت في العدد 110 من مجلة (International Socialism
آمل بهذه المقالة المتواضعة أن أوضح براءة الشيوعية من الكفر والإلحاد ومدى انخراطها في التراث التقدّمي والثوري للإنسانية، فعسى أن تكون هذه الكلمات، إضافة بسيطة إلى الجهود المبذولة للتعريف بالثقافة الاشتراكية في أوساط الشّبيبة.
أهمّ أسس الثقافة الماركسيّة اللّينينيّة:
أ- النّظرة المادّية الجدليّة إلى العالم
إن لفظ ماركسيّة لينينيّة هو التّسمية التي تطلق على الأصل الفكري الذي يقود الشّيوعيّين في العالم، وهو، بكلّ بساطة، مصطلح مشتقّ من اسمين: الأول هو ماركس منظّر المادّيّة الجدليّة (فيلسوف وعالم اقتصاد وناشط سياسي ألماني من القرن التاسع عشر)، والثاني هو لينين وهو من قاد الثورة الاشتراكيّة في روسيا سنة 1917 استناداً إلى مؤلّفات ماركس القائمة على المادّيّة الجدليّة، وسنتحدّث عنهما وعن باقي أعلام الشيوعيّة في مناسبات أخرى.
باختصار تختصّ النّظرة المادّية الجدليّة (الماركسيّة) إلى العالم في أنها أوّلاً وقبل كلّ شيء تسبّق المادّة على الوعي من حيث وجودها، أي أنّ المادّة وُجدت قبل الوعي، ولذلك هي مادّيّة (أي النظرة).
مثل ذلك أن نُسقط إنساناً منذ ولادته في غابة، فكيف سيكون نمط تفكيره؟
سيكون حتماً بدائيّاً وشديد الارتباط بهذا المحيط، ويمكن افتراض أنّ الأولويات التي ستشغل باله ستكون كالآتي: أوّلا قطف الثّمار، ثانياً صيد السّمك إن وُجد نهر، ثالثاً البحث عن مأوى…إلخ
وبالتّالي فإنّ الواقع المادّي هو الذي يحدّد أشكال وعي الإنسان، وهذا غير قابل للشّكّ.
ولكنّ العلاقة بين الاثنين ليست أحاديّة، لأن الوعي بنفسه يؤثّر في واقعه المادّي لتغييره، وهذا النوع من العلاقات يوصف بالجدليّ ولهذا سمّيت الماركسيّة )الماديّة الجدليّة(. فلنعد إلى مثالنا السّابق، فقد افترضنا أن إنساناً وجد نفسه في غابة، فبعد وعيه بمحيطه سيكون من الطبيعيّ أن يحاول تكييفه بما يتماشى مع مصلحته، وذلك قد يكون بصناعة أدوات من الخشب والصوّان للصيد، أو ببناء كوخ من القشّ للاحتماء به عند الحاجة والأمثلة تطول، والمراد من هذا المثال هو توضيح مبدأ الجدليّة في الوجود، وكذلك تبيان أنّ الإنسان في صراع دائم:
يولد الإنسان فيبدأ جسده في الصراع مع المرض (موت/حياة) ثمّ منذ طفولته يخوض صراعاً داخل العائلة (من أجل نصيبه من النقود مثلاً أو لتصادم المصالح بين الإخوة…) ثمّ يتطوّر الصّراع خلال الشّباب ليصبح مع السّلطة من أجل تحقيق مطالبه (العمل النّقابي)، وغير ذلك من الأمثلة التي تبيّن الصّراع بين المتناقضات الذي يمثّل قاعدة من قواعد المادّية الجدليّة.
وباختصار شديد وتفادياً منّي للتّعقيد والإطالة لافتقارهما إلى الجدوى يكفي الإقرار بأنّ أكثر ما يهمّنا من هذه المتناقضات في تاريخ مجتمعنا الإنساني هو ما يتعلّق بالطّبقات الاجتماعيّة.
ب- الصّراع الطّبقي ورهان الطّبقة العاملة
إن الأصل في كلّ أنماط الإنتاج عبر التاريخ واحد: الصّراع الطّبقي:
هذا الصّراع، الذي بدأ في العبوديّة بين العبد والسّيد، مروراً بالإقطاع فصار بين القنّ والنّبيل (الإقطاعي)، وصولاً إلى الرّأسماليّة فأصبح بين العامل والرّأسماليّ، هو المحرّك الأساسيّ للتّاريخ البشري.
إذ إنّ كلّ الحروب والظّواهر الاستعماريّة، وبضمنها ما نعيشه اليوم في تونس وفي جلّ البلدان النامية، من تبعيّة اقتصاديّة وثقافيّة وسياسيّة في ظلّ الإمبريالية (أي الهيمنة الاحتكاريّة لدول نافذة على حساب شعوب مضطهدة)، كلّ هذا مصدره الصّراع الطّبقي. فالطّبقة الحاكمة في الدّول الإمبريالية هي طبقة الرّأسماليين التي لا تتوانى في البحث عن أسواق جديدة لها (بحكم أن الاقتصاد الرّأسمالي هو اقتصاد السّوق) وموارد للمواد الأولية على حساب الشّعوب المضطهدة كما كان حاصلاً في تونس إبان الاستعمار الفرنسي المباشر، وأقول مباشر لأنّ الاستعمار مازال متواصلاً ولكن بصورة غير مباشرة (غياب التدخّل العسكري)، أو كما جرى في العراق من استنزاف ثروات باسم الديمقراطيّة، والقائمة تطول… في مقابل الطّبقات المفقّرة في هذه الشّعوب المسيطر عليها وحتّى في الدول ذات الحكومات الإمبريالية نفسها نجد الطبقات الشّعبيّة تعاني، ورغم ذلك تقاوم وتناضل ضدّ الاستغلال الرّأسمالي، وفي مقدّمة هذه الطّبقات نجد العمّال.
هذه الطّبقة المغتربة عن إنتاجها هي في الوقت نفسه مصدر رخاء الرّأسماليّين الذين يستنزفونها والتي ظلّت رغم ذلك صامدة متماسكة. هذا هو المقصود بالصّراع الطّبقيّ اليوم في زمن الرّأسماليّة، هذا الصّراع الذي كلّما تطوّر واحتدم ازداد قربا من الانفجار كأيّ صراع في الوجود، وهذا الانفجار اصطلح المؤرّخون على تسميّته بالثّورة الاشتراكيّة.
تلك الثّورة المحقّقة للعدالة الاجتماعيّة، فتجعل من ملكيّة المصانع والمزارع والمؤسّسات الاقتصاديّة (أي وسائل الإنتاج) ملكيّة جماعيّة لعموم الشّعب حتّى ينتفع الإنسان بما ينتجه بعد القضاء على عدوّه )الرأسمال(. في تلك المرحلة فقط تكون للشعب سيادة على ثرواته وتفتح آفاق جديدة للتّعاون البشري الحقيقيّ على أنقاض الإمبريالية، بعد قرون من المعاناة والاضطهاد المتراكم والاستغلال. يقول جوزيف ستالين وهو أحد من كرّس مبادئ الماركسيّة اللّينينيّة في هذا السّياق: )وأما طرح المسألة فيكون على الشكل الآتي: أفي حركة الاستقلال الوطنية في البلاد المظلومة ممكنات ثورية؟ وإذ كان الجواب نعم، فهل من مجال لاستخدام هذه الممكنات في سبيل الثورة البروليتارية وتحويل البلدان المستعمرة والمستعبدة من قوي احتياطية للبرجوازية الاستعمارية إلى قوى حليفة للبروليتاريا الثورية؟ هكذا تعرض المسألة).
ويضيف: (لقد عاشت هذه الانتهازية في المسألة الوطنية حتى جاءت الماركسيّة اللينينية، فكشفت القناع وهدمت الحاجز بين البيض والسود، بين الأوربيين وسواهم من أمم القارات الأخرى، وساوت بين أرقاء الاستعمار (المتمدنين) وبين أرقائه (غير المتمدنين)، وهكذا جمعت بين المسألة الوطنية ومسألة المستعمرات. وبهذا أصبحت المسألة الوطنية مسألة عالمية: مسألة تحرير الشعوب المضطهدة في المستعمرات وفي البلدان التي استعبدها الاستعمار.)…
مركز أبحاث الماركسية واليسار