أبتاه..!

أبتاه.. مهلاً.. رويدك.. رفقاً بي.. وبك، فما عدت أطيق صبراً.

أبتاه.. مالي كلما خططتني على الورق أجدني غريباً عن تلك الروح التامة البهية التي فاضت عن فؤادك عفواً كفيض العبير عن زهر الربيع، حتى إذا أورقتْ وأينعتْ بأبهى صورة وأعذب بيان، لجمتها وأمعنتَ فيها اجتزاءً واقتطاعاً وتحويراً وتنكيلاً، فأكاد لا أعرف ذاتي فيها وأكاد لا أشبهها إلا كشبه نور سراج باهت بوهج الشمس في صباح خريفي، حتى أكاد أنكر انتمائي إليها.. أأنا حقاً جسد تلك الفكرة الأصيلة المفعمة معنى ومغزى وإيحاء؟ أم أنني أشلاء متناثرة على مائدة ذاك الغول الخفي الذي تقمص عقلك واستلب إرادتك وسطا على قلمك فراح يستدرّه قيحاً بدل المداد ورياء بدل الصدق، موغلا  فيّ ابتذالا  ولغواً وتزويراً، حتى كاد الصدأ يأكل تلك النصال التي طالما شُحذت ترقباً لجولات وثارات مع كلمات وحروف كنت ترسلها شهباً ساطعة.. تنير حيناً وتحرق أحياناً، كانت رسلك الأمينة إلى عقول وأفئدة عطشى للحق، نهمة للحقيقة، تواقة للخلاص، فألهمتها مثلا  أعلى تحتذيه وأملا  واعداً ترتجيه، ثم.. كان منك ما كان.

أبتاه.. أما أنطقتني ذات مرّة أن الحياد كذبة من اختراع المنافقين، ولجان التحكيم؟ فما بالك عدت تستظل بظل هذه الكذبة القميئة.. تتلفع ببرقعها وترتع في خبث ثمارها وتمتح من كدر مائها؟ فإلامَ تصبو؟ وممّ تخاف؟ وحتامَ تنكر ما تعرف وتأتي ما تنكر؟! 

أبتاه.. أو تحسب أن هذه العقول التي نسّمتها ريح الكمال وأوقدتَ فيها جذوة السؤال.. سترضى بالارتداد إلى عهد الظلام؟ هيهات لطير ثملَ بنشوة الحرية أن يعود طائعاً إلى قفصه.. هيهات لسهم انطلق أن يرتد إلى كنانته، قد تغفر لك كبوة هنا أو زلة هناك، ولكنها أبداً لن ترحمك ناكراً لإرثك جاحداً لماضيك.. ستحاكمك بشرائعك التي شرّعتها وسننك التي سننتها.. فحذار!

أبتاه.. قد حمّلتني اسمك فارتضيته نسباً فأورثني فخراً وعزة  وكبرياء، فبحقي عليك كن كعهدي الأول بك، وانزع عني سلاسلك الحمراء الثقيلة واسكبني على الصفحات البيض عارياً إلا مما ارتضَته روحي يوم خطرت لك لأول وهلة، أو دعني أهيم على وجهي في ملكوت الفكر علّ أباً سواك – مازال على العهد – يلتقطني ويعيد رتق ما فتقت ما بين جسدي وروحي.

أبتاه.. ما أنا إلا أنت وما أنت إلا أنا وإيانا أريد، فلأن تضع اسمك على ما يرضي ضميرك خير من أن يضعك اسمك حيث لا ترضى و لا تحب.. فأنت وما تحب.

العدد 1188 - 25/02/2026