سلاماً للذين نحبهم!

لعل من المستحيل أن تنسى الأشجار شغب العصافير على غصونها، وثرثرة السنابل تحت فيء ظلالها، أن تنسى الضفاف صخب الأنهار في أغانيها المثيرة التي تضج بها الروابي والسفوح، وكم ستذكر تلك الذرا في الجبال البعيدة صدى نايات الرعاة، وهي تصدح بمغناها الحزين للحقول والغمام والنجوم والريح، حتى أسراب النحل التي تهاجر، والطيور التي تهاجر، والنايات التي يتبعثر صداها بين الزمان والمكان، ستحن في لحظة ما للموطن الأبدي الأصيل، مهما نأى بها الترحال، وساقتها رياح الغربة للبعيد.. البعيد، وبعثرتها خطاها في مفارق الجهات والدروب، فإنها في النهاية ستعود ذات صباح إلى الوطن الذي حبت على ثراه خطاها، ونسجت طي جناحيه ذكرياتها، واستلهمت منه صلة انتمائها إليه على امتداد الزمان! تلك أشياء جامدة، صامتة، في نظرنا، وحية وفاعلة في العمق البعيد الذي يمثل حيوية علاقتها بالمكان الذي تنتسب إليه، وتنتمي إلى جوهره الرائع، الأصيل! ذاك فيما يتعلق بالأشجار، والأنهار، والطيور، وجميع ما يدب فوق رقعة الوجود الكوني الذي نعيش فوقه، ونحن روح الوجود، وفعل الحياة الحي، الذي ينطق بالديمومة الخالدة وفق المعيار الإنساني الذي خلق الوجود لأجله، ومن أجله كانت الحياة! لذا، وبالمنطق الذي يتحدث عنا بتفاصيلنا، وذكرياتنا، وانتمائنا، وهويتنا التي اكتسبناها بفعل ارتباطنا  الخالد برقعة اسمها الوطن، وكيان اسمه فلسطين، ووجود وتلاحم دائم بيننا وبين ذاك المسمى الخالد، فهل يمكن لنا أن ننسى!؟

الأشياء التي تمر، والأوجاع التي تأتي بها المحن والحادثات، والريح التي تقذف الخطا غربة في إثر غربة، وصدمات انكسار الأحلام على أسلاك المنفى وعتمة الخيام، ما هي إلا قيمة عابرة، وتنتهي، بين اللحظة واللحظة نصحو على صدى أرغول، فندرك تماماً أن فلسطين لم تزل موّال شعبها، ونغفو على موال، فنوقن جيداً أن فلسطين قاب قوسين أو أدنى من القلب والوجدان والذاكرة، ونتناقل بيننا أحاديث الوجد والمواقد والذكريات، فنبصم على أننا (عائدون)، طال الزمان أم قصر، إننا (عائدون)! لأن الأجيال التي عبرت إلى الوطن بالأمس القريب، وهي متتالية الأعمار وفوارق العمر بينها شاسعة، ذاك في المظهر، ولكن في جوهرها هي واحدة  الهدف والمصير والحلم! الذي حفر فلسطين وشماً في وجدانه، وعمره وذكرياته، والذين نزفوا الشعر للأرض والتراب والوطن، والذين أمنونا قبل غيابهم ورحيلهم على حمل رفاتهم إلى هناك يوم العودة، أوبعد هذا شك وظنون من أننا أصحاب الأرض الحقيقيون، وعشاق ثراها حد الجنون، وورثة اسمها على امتداد الزمان؟! لو تعمقنا في أناشيد الشتات البابلي جيداً لوجدناها تغوص في مراثي ـ محارق الوهم ـ والضياع، والتشرد الأزلي في أصقاع المعمورة، ولا علاقة لها بالأرض والوطن، عكسنا تماماً، نحن الذين زرعنا في رحم الطفولة الفلسطينية كينونة الشخصية الفلسطينية قبل الولادة، وفي طور التبرعم الذي يشب على شهوة الانتماء والهوية، وهو بعد لم يزل يرضع حليب فلسطين من ثدي ينزف هواها دماً، وعشقها ولهاً جارحاً، والحنين لها وشماً تحفره الأجيال في تعاقبها في الوجدان والنبض والذاكرة، لذا فيقين العودة قائم ما دام الرحم الفلسطيني ينتج أجيال العودة!

العدد 1188 - 25/02/2026