المثقفون: بين الدردشة العابرة والنوايا

في الأحاديث العابرة، وعبر تلك الجلسات الودية التي حولها يتجمع المثقفون، على مستوى الصحبة المقاربة للهموم اليومية الواحدة، والجمعي المشترك، يحسّ المشارك في تلك المسامرات الموجعة، والمؤرقة، والمؤثرة للغاية عمق الأسى والعزلة التي يعيشها المثقفون، بين الهموم الذاتية، والهموم المشتركة لأبناء الوطن الواحد. يشعر المرء فيها أنه أمام شخصيات مركبة تحمل في ظاهرها ملامح مغايرة جداً لما تكشف عنه البواطن والخفايا، وما يمثله الجوهر في أبعاده الخفية، عما يمثله المظهر من مشاعر صادمة إلى حد الوجع، ومرتبكة إلى حد الانفعال الباهر. وكأن المرافق والمصاحب لتلك الشخصيات يرسم لها في اللقاءات الثقافية والمنتديات صوراً بهالاتها الصاعدة، وصوراً مغايرة تماماً لتلك التي استقرت في الذاكرة بهالات صعودها، إلى حال أخرى مرتبكة ومربكة، تعكس حال أبسط الناس فوق ذاك التراب الوطني، حال تكشف عمق فاجعة الانكسار النفسي والحياتي التي يعيشها مواطنو العروبة على امتداد أقطارهم وأمصارهم، بدءاً من خبز يومي مغلول بالمرارات الحادة، وانتهاء بكارثة اللقمة والثقافة، التي تضع المواطنين جميعاً على سكة الألم الواحدة، تمضي بالجميع إلى حيث الحلم يصبح كالكوابيس القاتلة المؤرقة على وسائله اختلطت فيها الأشياء سوادها ببياضها حتى غدت رمادية بضبابها القاتم والمجهول.

رغم التنافر الذي يصل إلى حد الفرقة المؤقتة بين المثقفين، والضحكة التي تجلجل مدوية بين المتنافرين للحظة تجمعهم على جنون الوجد للوطن، فإن مشاعر أولئك المبدعين تحمل في طياتها تلك الطفولة المحببة للأشياء الجميلة بواسطة دمعة كالندى عابرة في حدقات العين، وفلسفة صاخبة يتحاور فيها سمّار تلك المجالس الخاصة، التي تبسط جناحيها للمتحاورين، فيبدون أبسط مما يتصور العقل، وأرحب مما يضيق في المنتديات، والأمسيات، فإذا ما جد الجد فلكل مقامه ومقاله، ولكن في اللحظة الحاسمة، فالنوايا الخبيثة في النفوس لما تعيشه، وتحياه مع، وتجاه الآخرين، مهما احتدت واحتدمت، فهي تنتهي بقبلة راعشة تذهب بالمتحاورين إلى مدى يضحك ويبكي، لروعة العاطفة التي  في النهاية  تبرز كأعلى دلالة تقوم بين ثلة مبدعة، تتنافس في إبداعها، وعواطفها لتتجلى في النهاية، قناديل متوهجة تضيء بقيم معارفها، وإنسانيتها، على الرغم من أنها تظهر أحياناً بمظاهر لا تليق بمقامها وقيمتها المعرفية، ولكن هذا، على دلالاته السلبية يبرز خاصتين اثنتين في تلك الشخصية المبدعة المركبة:

 شخصية مبدعة ترقى صعوداً، بما يلهمها الإبداع لتدور في فلك إبداعها.

 والشخصية العامة التي تتصرف حسب مقتضيات الشارع وعوامِّ الناس.

لذا فالمبدع مرآة لوجهين لا يمثلان عملة واحدة، لأن وجه المرآة مغاير تماماً لما يقوم بعرض عمومياته الوجه الآخر!

العدد 1195 - 23/04/2026