الخسائر بالملايين.. المزارعون في الساحل ينتظرون التعويض.. ولكن!
المزارعون الذين عانوا في السنة الماضية وما قبلها من شح الأمطار، كانوا يمنّون النفس هذا العام بالأمطار الوفيرة، ولكن مالم يكن بالحسبان هو أن تجري الرياح بما لا يشتهي هؤلاء. فبالرغم من الأمطار الخيّرة، جاءتهم العواصف والرياح وصلت سرعتها أحياناً إلى 150 كم/ سا. هذه الرياح العاتية اقتلعت الأنفاق البلاستيكية من أماكنها، ومزّقت الأغطية البلاستيكية (النايلون) مخلّفة وراءها من الخسائر ما يفوق عشرات الملايين.
خلال جولة جريدة (النور) على بعض المناطق التي تضررت فيها الأنفاق المخصصة لزراعة الخضروات، وخاصة البندورة، شاهدنا ما يدمي القلب، فالحديد الملتوي في كل الاتجاهات، والأغطية ممزقة ومتناثرة بعيداً عن الأنفاق.. وشاهدنا كميات كبيرة من شتول البندورة التي أصابها الصقيع باليباس الكامل، فيما كانت آراء المزارعين تصبّ في مجملها على التمني بأن ينالوا تعويضاً من وزارة الزراعة.
عند الحديث عن النفقات التي يستلزمها إقامة نفق واحد بطول 50 متراً وعرض 10 أمتار، أوضح لنا السيد أبو أمجد أنه يلزمنا للنفق الواحد نحو 22 قوساً معدني، سعر القوس الواحد نحو 2300 ليرة، وبهذا يستلزم النفق ما قيمته 200 ألف ليرة سورية من الحديد فقط، مع الأخذ بالحسبان الأبواب والشريط، ويحتاج أيضاً إلى نحو 75 ألف ليرة، نايلون.. ومن الجدير ذكره أنه يحتاج إلى خيط شد وسواد وأسمدة ومواد تعقيم وشتول (ظرف البذار الواحد بـ20 ألف ليرة سورية)، ولو جمعناها لزادت عن 200 ألف ليرة سورية أيضاً، أي أنه يلزمنا كي يصبح النفق مزروعاً بالشتول نحو 500 ألف ليرة سورية.
يمكننا أن نحسب أيضاً تكلفة الكيلو الواحد من البندورة، فنجده يزيد عن الـ60 ليرة سورية.
الأجور وأسعار المواد
لا يمكن أن تتم مقارنة الأسعار هذا العام مع مثيلاتها في العام الماضي، فارتفاع أجور العمال بعد أن بات البحث عن العامل يستلزم وقتاً، لأن معظم من كان يعمل في الزراعة لم يعد بسبب الأحداث، وهذا ما أوضحه السيد عيسى، فقد أكّد لنا أن أجرة العامل العام الماضي كانت بحدود 1000 ليرة، أما هذا العام فقد تضاعفت، وهناك زيادة كبيرة على أجور الحراثة بسبب زيادة سعر المازوت وفقدانه من السوق واضطرار الفلاح لشرائه من السوق السوداء.. وهنا أود أن أوضح أن أجرة ساعة الحراثة قد ارتفعت من 200 إلى 700 إلى 1500 ليرة. وهناك زيادة في سعر الصندوق (الفلينة) أيضاً، فالعام الماضي كانت تباع بـ 50 ليرة تقريباً، وهذا العام وصل سعرها إلى 125 ليرة سورية، ومادمنا نتحدث عن سعر (الفلينة)، فقد كان الأجر الذي ندفعه مقابل شحنها إلى سوق الهال بحدود 25 ليرة، أما هذا العام فندفع نحو 100 ليرة.
معاناة مستمرة
عند الغوص في الحديث عن واقع المزارعين في تلك المنطقة تحدث السيد أبو علي عن جملة من المنغصات والهموم التي تحول دون الحصول على ما يعادل ماينفقه المزارع، فهناك عدم استقرار السوق، لأن البضاعة تخضع للعرض والطلب.. وهنا سأذكر لك أنني العام الماضي بعت فلينة البندورة بمبلغ 150 ليرة، علماً أن سعر الفلينة فارغة كان بحدود 45 ليرة، فتخيل؟!. المهم – يضيف السيد أبو علي – هناك أيضاً عدم استقرار بالتسعيرة، فالتموين وحماية المستهلك لا يتدخلان إيجابياً، بل يبقى القرار للسماسرة وأصحاب محلات البيع في سوق الهال، وهم من يأكلون (البيضة والتقشيرة) كما يقال، فلماذا لا تقوم لجان من التموين بالتسعير وفق الكلفة الحقيقية؟! أيضاً هناك ارتفاع أسعار المبيدات، بسبب الفوضى في انتشار الصيدليات الزراعية والأدوية المهربة خصوصاً هذا العام.. واللافت في الأمر ارتفاعها مع ارتفاع الدولار.. والمشكلة أن المزارع يجد نفسه مجبراً على شرائها، علماً أن تاريخ انتهاء الصلاحية غير مكتوب عليها، وهنا يلعب الحظ دوره!
الاستيراد
الفترة المناسبة للمزارع كي يحقق ريعية تعوّض عليه القليل مما أنفقه هي للأسف الفترة نفسها التي يتم فيها السماح باستيراد البندورة من الأردن، وهذا ما يجعل أسعار البندورة المحلية منخفضة مقابل تلك القادمة من الأردن.. وهنا يتساءل العديد ممن التقينا بهم عن هذا اللغز وعن المروّج لذلك وعن السبب، إذ إن البندورة المحلية في هذه الفترة تكون في أوجها ولا يوجد- حسبما يقول هؤلاء- حاجة في السوق إلى استيراد البندورة من الخارج، كما أشار احد المزارعين.
عوامل إضافية
السيد جهاد تحدث عن عوامل إضافية كانت وراء الخسارة هذا العام فقال: كنا على مدى سنوات ما قبل الأزمة نتعرّض لعوامل جوية مشابهة، ولكن كنّا نتفادى الصقيع الذي يأتي على كل شيء، فهذا العام أثّر كثيراً علينا الصقيع، لأننا لم نستطع الاستفادة من عمليات الرذاذ التي ترفع درجات الحرارة، ولكن الانقطاعات الكثيرة للتيار الكهربائي حالت دون استخدامها، فتجمّدت المياه في الأنابيب، ووصلنا إلى ما وصلنا إليه كما ترى.
الوحدات الإرشادية وتقدير الأضرار
يبدو أن لدى المزارعين عدم رضا عن الوحدات الإرشادية التي لم تكلف نفسها عناء البحث والتدقيق في الصيدليات الزراعية عن الأدوية الصالحة والمبيدات ومواد التعقيم وغيرها وعن مدى جدواها، وهذا ما لاحظناه عند الحديث عن دور الوحدات الإرشادية في الحد من الخسارة. طبعاً لم يقتصر الحديث على الإشراف والمتابعة، بل تعداه إلى تقدير الأضرار، فقد كلفت مديرية الزراعة الوحدات الإرشادية بالتدقيق وتخمين الأضرار.. وهنا كانت الكارثة كما يوضح لنا أبو إسماعيل، وظهرت المزاجية في التخمين، إذ من غير المنطقي عدم تمكّن المزارع من الاطلاع على القيمة الحقيقية للتخمين قياساً بالأضرار، فهل يعقل أن يتم تقدير الأضرار بنسبة 10% لمن كانت خسارته بحدود 20 طناً من البندورة أو أكثر؟! إن القيمة التخمينية التي وضعتها الوحدات الإرشادية لا تعوّض الخسارة بالحديد والنايلون فقط، فهل هذا يرضي الجهات المسؤولة؟!
آراء بعض المعنيّين
في اتصالنا مع الأستاذ حسان حسن، عضو المكتب التنفيذي في محافظة طرطوس، تمنى أن يكون التخمين دقيقاً، مع مراعاة موضوع نسبة 100 %، وبالتالي الحاجة الماسّة إلى الاستيراد في حال كانت هذه النسبة صحيحة، في إشارة إلى المعترضين على الاستيراد والمطالبين بتعويض يصل إلى 100 %.
في حين يرى الأستاذ رفعت عطا الله، رئيس دائرة الإنتاج النباتي في مديرية الزراعة بطرطوس، أن هناك 36512 نفقاً بلاستيكياً متضرّراً، وقد كان عدد الأنفاق المتضررة بسبب العاصفة والرياح نحو 10 آلاف نفق، في حين تضرر العدد الباقي بسبب الصقيع، وقد قدّرت قيمة الأضرار بنحو 11 مليار ليرة سورية، وتركزت الأضرار بين تمزّق النايلون وبعثرة الأقواس الحديدية والتوائها وتيبّس الشتول نتيجة الصقيع. وأضاف أن درجات الحرارة قد انخفضت انخفاضاً غير مسبوق، إذ وصلت في بعض الأماكن إلى أكثر من ثماني درجات تحت الصفر، وهي درجة حرارة منخفضة جداً، ولا يمكن للنبات مقاومتها بأي شكل من الأشكال. وفي معرض ردّه على سؤال حول التعويض، أكّد أن ذلك محصور بفرع التخفيف من آثار الجفاف والكوارث الطبيعية.
الأستاذ جابر حيدر، رئيس الوحدة الإرشادية في بيت السخي التابعة لها عدد من القرى، أوضح لنا أنه تم الاطلاع على مئات الأسماء المتضررة، وقد جرى تقدير الأضرار بالنسبة للإنتاج فقط وليس الضرر بالنسبة لكامل الأنفاق بما فيها الحديد والبلاستيك.. نحن اطلعنا على العناقيد التي تم جني إنتاجها وتلك التي مازالت وقدّرنا الأضرار على هذا النحو، ولكن المزارع يعتقد أننا قدّرنا الأضرار الكاملة، ولهذا كانت لديه جملة من الاحتجاجات. هناك من قام ببيع 80% من محصوله ويتمنى أن نسجل له نسبة إصابة 100%، وهذا غير منطقي وغير مقبول. نحن مع التعويض على المزارعين بالقدر الذي تضرر فيه الإنتاج فقط.
أخيراً.. الجميع يدرك الوضع الذي تمر به البلاد، ولكن وكما يقال (بحصة قد تسند خابية)، ومن حق هؤلاء التعويض عليهم، ولكن بالقدر الذي يستحقون، لأننا نمرّ في سنوات عجاف ولسنا في أفضل الحالات!