صور نمطية

يصعب في الحقيقة فصل صورة المرأة الفعلية، عن صورها في الثقافة والأدب، عن التوهمات التي أشاعها الرجال حول الطبيعة السرية الكتيمة الجوهرية للمرأة، والصور النمطية التي سجنت المرأة داخلها، فأصبحت مستودعاً للسر والغرابة. ولا شك في أن هذه الصور النمطية بحاجة إلى تفكيك للتعرف على الجذور الجنسوية والاجتماعية والسياسية بالمعنى الواسع لكلمة سياسة.

 وأظن أن النساء أقدر على إعادة تشكيل صورتهن وإنتاج خطاب  مختلف عن المرأة يضع في حسابه تجربة المرأة في الأدب وعلم الاجتماع وعلم النفس وأنواع الخطاب المختلفة التي تهتم بقراءة صور الذات والآخر. ولا يعني هذا الاقتراع فصل تجربة النساء عن تجربة الرجال في المجتمع، والدعوة إلى إقامة جزيرة للنساء في الدراسات الثقافية التي تتخذ من المرأة وتجاربها موضوعاً للبحث والدراسة، بل إن القصد من وراء ذلك هو حضّ المرأة العربية على إنتاج خطابها حول ذاتها، كجزء أساسي من عملية التحرر النسوية التي نشهدها  في العالم العربي منذ مطالع  القرن الماضي. ولا شك في أن كتابة المرأة عن ذاتها وانشغالاتها الحميمة وتجربتها الوجودية، وكذلك قراءتها صورتها، أو لنقل بكلمة أخرى صورها على الأصح، في الثقافة والمجتمع، تكشف عن الكثير من المخبأ والمكبوت والمقموع والمسكوت عنه في كتابات المرأة العربية سابقاً، إذ أصبح البوح والتعبير عن التجارب الوجودية للمرأة  العربية يشكلان الجزء المحوري من كتابات النساء العربيات.

إن المرأة تجد اللغة أسيرة الرجل وجوداً مسيجاً صنعه الرجل على شاكلته وعلى قياس رؤيته إلى العالم، فتضطر إلى الكتابة بهذا اللسان الأجنبي باحثة فيه عن صورتها الحقيقية الغائبة. ثمة لغة سرية كتيمة تحجب المرأة وتجربتها وتغطي عالمها الداخلي بصور واستعارات تزيد غموض صورتها في الخطاب الثقافي، إنها مطرودة من اللغة، مقصاة من خطابها النحوي في معظم الأحيان، أو أنها  مذوبة  في صوت الرجل وفي الضمائر التي تعود عليه في سياق الخطاب، وهي التي تحاول، كما نلحظ في الكثير مما أنجزته المرأة العربية في الشعر والقصة والرواية وصولا إلى الدراسات الثقافية وأشكال البحث المختلفة، أن تبدد هذا الغموض وتفكك بنية الخطاب السائد حولها وحول صورتها.

العدد 1188 - 25/02/2026