المونولوج… أعلى مراحل الزواج
أخيراً فعلها جورج كلوني الممثل الأمريكي المعروف، وهو أشهر عازب في هوليوود.. تزوج من صديقته البريطانية لبنانية الأصل أمل علم الدين، خلال مراسم خاصة في مدينة البندقية الإيطالية.
طبعاً حفل الزواج كان أسطورياً وحضره معظم نجوم هوليوود ومسؤولون إيطاليون (والذي منّو)، وحملت الزوارق، التي تنقّل عليها الضيوف في المدينة، الحرفين الأولين من اسمي جورج وأمل، وأغلقت شوارع فرعية في المدينة لتسهيل تنقل النجوم الذي ملؤوا فنادقها.
وجعلت الاستعدادات الضخمة للزفاف الأهم هذا العام، المدينة الايطالية، تبدو كهوليوود أخرى، مُطلّة على البحر الأدرياتيكي. ولأن كلوني فعلها أخيراً وهو ما فعلتُه أنا ومعظم خلق الله الذين ما يلبثون أن يبدؤوا بالتأفف والنفخ في الهواء بعد سنوات قليلة من فعلتهم.
تبدأ بعدها مرحلة التعامل مع نتائج الحدث التاريخي من تأمين المستلزمات الأساسية للبيت، التي جرى تأجيلها بالاتفاق بين الحبيبين إلى ما بعد الزواج، فيبدأ الشراء بالتقسيط والقروض والديون والهبات والتبرعات، إلى أن تأتي مرحلة قدوم الأولاد، فتزداد عطالة المطالب والهموم بالتزامن مع تراجع عزم الرجل بسبب التقدم في العمر أو التضخم النقدي، باختصار يبدا العجز يكبر في الموازنة العامة، وينتج عن ذلك توتر اجتماعي ودعوات للتظاهر والتعبير عن الرأي من قبل الأغلبية المتضررة، حينها يلجأ أصحاب القرار وهم الأب تعاونه الأم غالباً، وفي بعض الأحيان تنضم هي أيضاً إلى صفوف المعارضة، فيصبح الأب وحيداً على كرسيه يقاوم عواصف الاحتجاج والمطالبة بتغيير أوضاع العائلة…
يحاول الأب استخدام سياسة العصا والجزرة مع المطالبين بالتغيير وتحسين أحوالهم، فيفتح حوارات وطنية معهم تبدأ وتنتهي بعبارة ليس في الإمكان أفضل مما كان، ثم حين يفشل في إقناع المتشددين منهم يبدأ بكيل التهم لهم بأنهم يعطون آذانهم للجيران القريبين والبعيدين، ويقارنون أوضاعنا بأوضاعهم، مثل أبو يعرب وأبو تالا وأبو رنيم الذين صاروا بسرعة البرق من أصحاب الملايين وهم موظفون مثله، ويتهمهم بوجود أجندات خارجية لهم تريد إفساد التآلف العائلي وتفتيت العائلة تمهيداً للسيطرة عليها.
يرد المتشددون إننا نعلم كيف صار هؤلاء، ولا نريد لآبائنا أن يتلوثوا مثلهم بالفساد والنهب، ويقدمون اقتراحات لمشاريع صغيرة ضمن حدود الإمكانات، مشاريع لا تخلو من مغامرة، ولأن الكبار لا يحبون المغامرة كثيرا تجابه بالرفض المطلق.
آخر الدواء الكي، يقوم الأب في ظل صمت الأم والمعارضين غير المتشددين بطرد أصحاب الرؤوس الحامية من المطالبين بالتغيير، واختصار العائلة على الصامتين أو المحتجين بصمت أو بخجل شديد.
أخيراً يدخل الأب مرحلة المونولوج بسبب تفاقم الوضع وضجيج المعارضين المطرودين خارجاً، وهو غير المونولوج الذي يحكون عنه في المسرح والأدب عامة، هذه المرحلة هي أن يحاكي الرجل المرتكب فعل الزواج نفسه وهو يمشي في الشارع أو يركب باص (النعر) الداخلي واقفا شامخاً محدقا في الأفق البعيد بين زحام الأجساد وروائح العرق والشنكليش.
وهوغير (المونولجات) التي نجدها في الشارع ووسائل النقل لشابات وشباب يخفون سماعات البلوتوث في آذانهم ثم يبدؤون أحاديث لا تنتهي، فيظنهم الواحد بدايةً ضحايا لزواج مبكر جعلهم يحرقون المراحل ويصلون إلى مرحلة المونولوج وهم في ربيع العمر، ليكتشف أخيراً أن الموضوع ليس (مونولوجاً)، وان الطرف الآخر من الحوار موجود في مكان آخر، قد يكون قارة أخرى بفضل (الفايبر) مثلاً…
والمونولج أعلى مراحل الزواج، أو هو بداية المرحلة الأعلى، إذ يتبعه الهذيان احياناً، وفي بعض الحالات تحترق فيوزات الرجل دفعة واحدة، فيجري تسفيره إلى مشفى ابن سينا ليكمل المونولوج هناك دون أن يستغرب وضعه أحد.
هنا يعود المطرودون الذين كانوا يطالبون بالتغيير، ويؤكدون أن التاريخ أكد صحة وجهة نظرهم، وأنهم كزرقاء اليمامة كانوا يرون أبعد من الآخرين، ويصبحون أصحاب قرار وقول فصل في كثير من مسائل العائلة، إلا إذا قامت الأم باستلام تركة الأب وممارسة نفس السياسة من بعده بعد أن ثبت أنها تريح الرأس من ضجيج الحوارات والاختلافات والفتن، وهو ما يحدث غالباً، فيبقى النقاقون يصرخون من الخارج ويبقى من في الداخل بمنأى عن أي ضجيج أو مطالبة بالتغيير خوفاً أو طمعاً بحصتهم البائسة من كعكة المنزل.
كنا بجورج كلوني وزواجه الميمون… السؤال الذي يطرح نفسه: هل يتوهم أحد بأن كلوني سيمرّ بهذه المراحل؟!
ح . خ