الديمقراطية هي فكر وثقافة وفلسفة وممارسة

 إن ما نشاهده اليوم من تجارب انتخابية في منطقتنا يؤكد حقيقة مشتركة بينها، هي أن من يدير ويشرف على تنفيذ تلك الانتخابات هو السلطة الماسكة بالقوة لأجهزة الدولة. ولذا نجد أن نتائج تلك الانتخابات كلها تأتي دائماً لمصلحة السلطة نفسها التي أجرت الانتخابات وأشرفت عليها، فهي التي تسيطر على وسائل الإعلام، وهي التي تتحكم في قوت الشعب وفي الوظائف الحكومية، والشركات والمصانع، فضلاً عن الأجهزة الأمنية التي تنتشر في مفاصل الدولة وأركانها.

ولكن العنصر الأهم والأكثر فاعلية من السلطة الحاكمة وقواها هي الشعوب، فهل تجاوزت تراثها السياسي وأعرافها وتقاليدها وثقافتها التقليدية، التي رسختها أزمان من التسلط في إدارة الحكم، واتساع رقعة الجهل وتفشي الخرافة، وانتشار الفقر والجوع مع انفجار أزمة تزايد السكان على رقعة جغرافية محدودة في مصادر الإنتاج، سواء الزراعي منها أو الصناعي؟ هل تجاوزت كل ذلك وأصبحت مؤهلة لأن تختار حكامها وممثليها في مجالس التشريع والإدارة؟.

هو الإنسان الذي يطلب منه القيام بعملية الاختيار. فهذا الإنسان، أو الفرد الذي يمثل الثروة البشرية المتاحة في هذه المجتمعات، لا يملك مؤهلات الاختيار الصائبة. إن أغلبية هذه المجتمعات التي أجريت فيها الانتخابات تتماثل في مستوياتها من حيث تدني المعيشة، وارتفاع نسبة الأمية، والتسرب من التعليم، وهي ظروف تؤثر سلباً على مستوى الوعي في المجتمع، سواء من حيث معرفة الفرد بحقوقه السياسية، أو على المستوى المعرفي الذي يعد ضرورة من ضروريات قيام نهضة أي مجتمع يرغب في التقدم والارتقاء.

إن تأمل (الأشكال) السياسية التي توصف بأنها ديمقراطية في هذه المجتمعات وغيرها من الدول المصنفة ضمن الدول المتخلفة، آخذين بعين الاعتبار أن المقصود بالتخلف هنا ليس بما نملك أو لا نملك من ثروة مادية، بل بقدر ما نملك أو لا نملك من حرية وإرادة، يقودنا هذا التأمل إلى استنتاج مفاده أن مثل تلك الأشكال السياسية لا علاقة لها بجوهر الديمقراطية الحقيقية، ومضمونها، الديمقراطية فلسفةً وفكراً، في إقامة الدول وإدارة المجتمعات، وما لهما من جذور عميقة في ذهنية الأفراد والحكومات على حد سواء.

إن المجتمع الذي يسوده الفقر والأمية، وتجري ممارسة القمع والتسلط فيه، لا يمكن بحال من الأحوال أن يتحول إلى مجتمع ديمقراطي، بل هو مجتمع ينحو نحو التمزق والتفتت الإثني والطائفي والقبلي، ويسوده العنف بين تلك المكونات، ولن تتمكن السلطة من كبح جماح هذه التحولات إلا بإحداث انعطافات جدية سواء في إدارة الدولة، أو في سياساتها الاقتصادية والاجتماعية التي يجب أن تكون معبرة عن مصالح شعبها الجذرية.

وقد يشير البعض في هذا الصدد إلى أن هناك تجارب ديمقراطية نجحت وحققت استقراراً وتنمية، بالرغم من ارتفاع نسبة الفقر والأمية، والتنوع الإثني والطائفي فيها، كالهند على سبيل المثال، لكن علينا أن ندقق في مقومات التجربة الهندية وأسباب نجاحها وتطورها، وهي مثال جيد علينا أن ندرسه، خاصة للتماثل في كثير من المكونات الاجتماعية.

إن التجربة الهندية ليست تجربة سهلة، بل هي نتاج معاناة كبيرة حولت المفهوم الديمقراطي إلى ثقافة عامة لدى الشعب بأسره، آمن بها الجميع وعملوا من أجل استقرارها ونموها. وأهم عوامل نجاح التجربة الهندية هو بزوغها من الشعب نفسه وقياداته الحزبية الشعبية، ولم تبدأ من السلطات العسكرية كما هو حاصل في منطقتنا. لقد ساعد على تحقيق التحدي الكبير في الهند أن مؤسسيها، بعد التخلص من الاستعمار البريطاني، بداية من المهاتما غاندي، كانوا من الديمقراطيين الراسخين، فليس من السهل أن نجد في أي دولة في العالم غير الهند مثل هذه الوفرة غير العادية من الطوائف العرقية واللغات والأديان، والممارسات الثقافية المتنوعة، فضلاً عن التنوع الجغرافي والمناخي، ومستويات التنمية الاقتصادية، ومع كل ما حدث في بداية عهد الاستقلال من مشاكل وصراعات دينية وطائفية، فإن الهند بقياداتها الديمقراطية قدمت تحدياً كبيراً حولت بمقتضاه أعظم نقاط ضعفها إلى قوة. وعلى النقيض من العبارة التي اتخذها الأمريكيون شعاراً لهم: (من كثير إلى واحد) اختارت الهند لنفسها شعار (من كثير إلى أكثر).

وبفضل الفهم العميق للديمقراطية وسيلةً ضامنة للتعددية واحتواء التنوع العقيدي والطبقي والإثني، وبهذا الفهم تجاوزت الهند باستمرار الصعاب التي واجهت الديمقراطية، ومكّنت الجميع من المساهمة في الشأن الوطني وأبعدت الأديان عن السياسة، وساوت بين الجميع في حرية الرأي والعقيدة.

كان جواهر لآل نهرو، أول رئيس لوزراء الهند وتلميذ غاندي، قد أمضى حياته السياسية كلها، متفرغاً لغرس العادات والقيم والتقاليد الديمقراطية في شعبه، واحترام النظام البرلماني، والإيمان بالنظام الدستوري وترسيخه في عقول الناس. لقد قدم بذلك نموذجاً اعتبره كل من جاء بعده طريقاً له، وهو ما رسخ القيم الديمقراطية إلى الحد الذي جعل ابنته أنديرا غاندي تشعر بالخجل والالتزام بضرورة اللجوء إلى الشعب الهندي طلباً للغفران، بعد أن علقت الحريات في عام 1975 بإعلانها حالة الطوارئ التي دامت 21 شهراً. واحتراماً منها للقيم التي تشربتها من والدها قررت عقد انتخابات حرة ، وهي الانتخابات التي كانت خسارتها فيها فادحة. كان هذا هو الرد المثالي للمجتمع الهندي الذي تشرب المبادئ الديمقراطية التي تغلغلت في وعيه بكل طوائفه.

 لهذا نرى أن تجربة الهند بدلاً من أن نُقارَن بها، علينا أن نستفيد منها إن أردنا أن نتحول إلى النظم الديمقراطية ونواكب العصر الذي نعيشه، والأولوية التي يجب أن تنتبه إليها النخب الساعية إلى التحول الديمقراطي في أنظمة الحكم في شرقنا الأوسطي هي غرس قيم الديمقراطية أولاً في مجتمعاتنا، بكل السبل المتاحة، وأن تتحول هذه النخب إلى نموذج قيادة، كما كان غاندي ونهرو وأنديرا في الهند، كشرط من شروط إمكان تحقق الديمقراطية السياسية بصورة صحيحة وفاعلة.

إن تحرير المجتمع هو الذي سيخلق قوة بشرية واعية، مدركة لمصالحها في وطن آمن مستقر ومنفتح. فالديمقراطية بمعناها، فكراً وفلسفةً، تعني المبادئ الأساسية التي تأسست عليها، وهي مبادئ حكم الأكثرية، وحماية حقوق الأقلية، وفصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية واستقلال كل منها، ومفهوم تجزئة الصلاحيات، ومبدأ التمثيل والانتخاب، ومفهوم سيادة القانون والمساواة الكاملة أمامه، ومفهوم اللامركزية في اتخاذ القرار وتداول السلطة سلمياً بما يختاره الشعب. هذه المبادئ الأساسية التي يحكم بجوهر معناها، هي المبادئ الحقيقية للديمقراطية، وليس مجرد إجراءات شكلية إدارية، تبدأ صباحاً بطوابير تسقط أوراقاً في الصناديق، وتنتهي مساءً بإعلان النتائج.

إن الديمقراطية إذاً هي حياة يومية يعيشها الإنسان طوال حياته من يوم مولده حتى وفاته. واليوم نرى أن النخب العربية تتحمل مسؤولية أساسية في تأكيد هذه المقولات عبر الدعوة لتفعيلها في الخطاب الإعلامي العربي، وفي التعليم بكل  مراحله، وتأكيد المفاهيم الديمقراطية التي تحترم الجميع ولا تفرق بين رأي وآخر أياً كانت درجة الاختلاف في الرأي.

ومع الأسف فإن جولة على المحطات الفضائية العربية والتعرف على طبيعة برامجها، والطريقة التي يتحاور بها المتحاورون، والتي تقدم بها البرامج، تؤكد أن ثقافة الديمقراطية بعيدة عن الذهنية العربية. فالحوار عادة ما يأخذ شكل الهجوم المتبادل، وعادة لا يتمكن طرفا النقاش أو أطرافه من إتقان الإنصات، فضلاً عن جرعة الاحترام بين الأطراف! فكل منهم لديه ما يقوله وليست لديه القدرة على الإنصات، كل هذه الظواهر تدل على ثقافة ما أسسته الشمولية في وعي الأفراد والجماعات، بل ونتيجة لمؤسسات ثقافية وإعلامية تقوم بدور المؤسسات القمعية، وليست منابر لحرية التعبير والتفكير ونشر التسامح وقبول الآخر في المجتمع.

العدد 1196 - 29/04/2026