سماء واطئة جداً
لم تكن السماء قريبة كما هذا اليوم.
ربما كان ثقل الغيوم التي لم تصدق قدوم الشتاء فأرخت ثقلها على كاهل السماء، واتكأت على عكاكيز الهواء وهي تمشي متثاقلة.
هل الغيوم شاخت أيضاً أيتها البلاد؟…
السماء ليست عالية، لم تكن كذلك أبداً، السماء قريبة قريبة، حتى تسمع همسك وأنت تهجس بأحلامك الممنوعة.
ألم يقل الرب المقيم في سدرة المنتهى من السماء السابعة لعباده: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني)؟!
السماء ليست عالية، الأرض هي الواطئة، قامات الناس هي التي تتهاوى مع ازدياد نهمهم للحوم بعضهم، حتى صرخ الرب نفسه: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً؟!).
ومنذ ذلك السؤال الاستنكاري يزداد الناس نهماً لنهش بعضهم، لابتلاع ما يقدرون على ابتلاعه وما لا يقدرون، ثم يزدادون قزماً، فيرون السماء أعلى وأبعد، وربما تبتعد عنهم السماء خجلاً.
الأرض واطئة، فحيث ينكفئ العشاق والزهاد والشعراء والشجر والماء، حيث يُسجن الجمال، وتحاصَر النساء، ويتكاثر الجراد وقطاع الطرق والجلادون وحراس الهياكل، هناك تعلو السماء بعيداً تاركة الأرض تغرق في خذلانها، حتى تغور وتستحيل مستنقعات وودياناً غير ذي زرع.
وفي أسطورة الخلق الأولى لم يكن ثمة سماء في الأعالي ولا أرض في الأسفل، لم يكن في الوجود سوى المياه الأولى ممثلة في آلهة السكون: أبسو(الماء العذب) وزوجته تعامة (الماء المالح) وممو (الضباب المنتشر فوق الماء) وكانت هذه الآلهة الثلاث تعيش حالة سرمدية من السكون والصمت المطلق، ثم حين بدأت بالتناسل وأنجبت أولاداً وأحفاداً فاقوها قوة وفطنة وحيوية، وخلقوا حالة جديدة من الحركة والنشاط لم تألفها آلهة السكون، فلجأت إلى العنف ووضعت خطة لإبادة النسل، لكن الآلهة الصاعدة عرفت خطة أبسو وقام أقوى الآلهة (أيا) بصنع تعويذة سحرية جعلت (أبسو) يروح في سبات عميق، فنزع العمامة الملكية عن رأس (أبسو) ووضعها على رأسه، ثم بدأت الصراعات على السلطة والملكية فيما بعد، حتى يومنا هذا.
هي الحرب نفسها، الذين يغرقون في سكونهم تقلقهم رائحة الحياة القادمة من الجديد، فيستنفرون كل رصيدهم من القذارات والسفالات والكائنات المشوهة، الكائنات التي نحتوها من أحقاد ووشايات ولمامة الشعوب، ليحاولوا إبادة نسل التغيير، ويوقفوا التاريخ عندهم، ولأنهم رسخوا سلطانهم وثبتوا أركانه جيداً، تصبح الحرب هي المنعطف الأخير، لكن هي، للقديم، حرب امحاء وموت ، وحرب دفاع عن الحياة، للجديد الأفضل والأرقى والذي تفرضه طبيعة الأشياء والحياة في تغيرها وتجددها.
لكن أنياب الحرب تنهش في حيوات البشر والعمران، ليس ثمة حرب نظيفة، كل الحروب قذرة، هكذا يصبح المجتمع مجتمع حرب، يختفي الطيبون والعشاق والشعراء وأصحاب الرأي، أو يخفت صوتهم، ويسود تجار الموت والجوع والأعضاء البشرية ويعلو صوت غربان الموت التي تمجد ما يفعله شركاؤهم.
في الحروب، لا سماء للعصافير والأحلام والسفر إلى الأجمل، السماء محجوزة لوحوش الجو التي توزع القتل والخراب…
ولا أرض للشجر واللقاءات السرية والقصائد والأحلام، إذ تغتصبها همجية الإنسان المفترس، الإنسان الذي شوهته شهوة المال والسلطة، فأمعن في سفك الدماء وتخريب الحضارة، وشعاره: إذا متّ ظمآناً فلا نزل القطر….فيما شعار المدافعين عن الحياة يلتقي في مضمونه مع بيت فيلسوف المعرة:
فلا هطلت عليّ ولا بأرضي
سحائب ليس تنتظم البلادا.
ومهما علت السماء وانخفضت الأرض، مهما ترامى سلطان الموت، يعرف جيداً من يقرأ التاريخ أن البقاء للأصلح، وأن الحياة هي التي ستنتصر، لكن الخسائر فادحة، فادحة جداً أيتها السماء الصامتة…