لا مبرر لهواجس المجتمع من المرض النفسي

 حضارات الشعوب تقاس بمدى بناء الإنسان من النواحي الاجتماعية والروحية والنفسية والصحية، ليكون فرداً فاعلاً في مجتمعه سليماً في تصرفاته، وهذا مرتبط بصحته النفسية وبقدرته على الشعور بالسعادة وإيمانه بقيمته وقيمة الآخرين التي تمكنه من التعامل مع المواقف المختلفة لمتطلبات الحياة الكريمة بحكم الإنسانية.

نتيجة لمتغيرات العصر الاجتماعية والثقافية والبيئية وما تبعه من تغيير في مواضيع مثل حقوق الإنسان أو مواصفات الحياة وسلامة المجتمع وصحة الفرد النفسية والعضوية، ظهرت أهمية دراسة الطب النفسي، لتعلّقها بحقوق مرضى يعانون من اضطرابات نفسية وعقلية يعجزون فيها عن التكيف عن الظروف المحيطة بهم. فالمرض النفسي يمكن أن يصيب أي إنسان وفي أي مرحلة من مراحل العمر، وهي أمراض العصر الحالي، وقد حازت على اهتمام العالم في كل المجتمعات بعد أن تفاقمت مشكلاتهم وتعرضهم للمعاملة القاسية، فقد أصدرت الأمم المتحدة في عام 1991 إعلان حول حقوق المريض النفسي في العلاج باستخدام الوسائل الطبية الحديثة.

وقد حرص الدستور السوري لعام 2012 في المادة 22 منه على حماية صحة المواطنين إذ نص على (2-تحمي الدولة صحة المواطنين وتوفر لهم وسائل الوقاية والمعالجة والتداوي).

ولكن ذلك لم يسد الفجوة بين متطلبات العصر والواقع العملي والتقاليد التي لم تواكب التطور العلمي للصحة النفسية، فقد حيث بقي المريض النفسي يعاني من الوصمة الاجتماعية التي تمنعه من الاعتراف بالاضطرابات النفسية التي يعاني منها، وانطباع الصورة النمطية الراسخة عن خطورة هؤلاء نتيجة غياب المؤسسات العلمية والطبية والثقافية وغياب الثقافة النفسية وتجذر ثقافة مضادة قائمة على الخوف والشعور بالعيب التي أنكرت وجود المرض النفسي على صعيد الفرد والمجتمع والأسرة.

فالأمراض العقلية والنفسية عديدة ومتشعبة، وهذا ما خالفه المشرع السوري، إذ وقع في خلط عندما حصر كل اضطراب يصيب العقل في مصطلح الجنون، وذلك في المادة 230 من قانون العقوبات العام التي نصت على: (يعفى من العقاب من كان في حالة جنون) ويستبدل المأوى الاحترازي بالعقوبة في هذه الحالة. فكل خلل في النفس أو العقل له أسبابه وأعراضه التي تؤثر على الإدراك و الإرادة، والجنون مظهر من مظاهر الاختلالات العقلية التي تفصله عن مجتمعه. أما الأمراض النفسية فهي اختلال جزئي في الشخصية دون أن ينجم عن ذلك انفصال عن مجتمعه ومحيطه، وهي ترجع إلى الصدمات الانفعالية أو الاضطرابات في علاقة الفرد مع وسطه الاجتماعي.

فهو مرض يصيب الوظائف المعرفية مثل التركيز والأدراك واتخاذ القرار، فلا ترفع المسؤولية الجنائية عنه، ولهذا فلا مبرر لما يتعرض له المريض النفسي من إهمال أو ظلم أو ضياع حقوقه في الرعاية والعلاج والحياة الآمنة، لذا يجب أن يحصل المريض النفسي على حقوقه دون تفرقة عن غيره، وأن يتمتع بالحقوق المدنية كامله أثناء مرضه، فالنفس كالجسد تمرض وتحتاج إلى علاج كي تشفى، والعلاج الدوائي غير كاف فيجب الاعتماد على علاج تكاملي سلوكياً، وهذا بحاجة إلى تغيير وعي الأفراد وثقافة المجتمع المستعصية على التغيير التي يشوبها القصور وعقم الإدراك، وضرورة مساهمة الإعلام وأن يمارس دوراً إيجابياً في تغيير الصورة النمطية للمريض النفسي وإبراز ايجابياته من حيث تفوقه في الكثير من العلوم والعمل واستكمال دراساتهم في المصح.

وما يحدث على الساحة السورية جعل معظم السوريين في ظروف مأساوية وهم يعانون شيوع مشاكل صحية ونفسية واجتماعية أدت لظهور برامج الصحة النفسية في حالات الطوارئ الناجمة عن الحروب، وهي استجابة اجتماعية سياسية طبية تتصدى لمشاكل مجموعة معينة في لحظة محددة من الزمن، وتطوير خدمات صحية نفسية مجتمعية مستدامة، إلى جانب صون حقوق الإنسان، وهذا ما يستوجب سن قانون الصحة النفسية والعقلية، فغياب البنية القانونية التكاملية يلقي بظلال سلبية على واقع تقديم الرعاية الصحية وتطبيق العلاج النفسي التكاملي للمرضى النفسيين.

فالمسببات لبقاء المريض النفسي داخل سور هي كثيرة لا يمكن القضاء عليها بالاعتماد على بعض القوانين والتشريعات وان كانت فعالة في حماية المريض ولكنها لا تكفل له مجتمعاً يعترف به.

العدد 1112 - 26/6/2024