هل ستنتهي الحرب؟ كيف ومتى؟!

متابعة الدكتور سلمان صبيحة:

تناقلت بعض وسائل الإعلام الإلكترونية والعديد من مواقع التواصل الاجتماعي خلال الايام الماضية ما أعلنه مؤخراً ترامب أن الحرب على إيران انتهت تقريباً.

إيران أيضاً أعلنت أنها دخلت مرحلة جديدة، فبالرغم من مشاهد الدمار الكبيرة والخراب المخيف الذي حل بإيران، لكن من الواضح أن النظام الإيراني لا يزال واقفاً على قدميه ولم يسقط بالضربات العنيفة المزدوجة الأمريكية والإسرائيلية.

يبدو أن أمريكا لم تعد تستطيع الاستمرار ولا تريد أن تدخل في حرب استنزاف ترهق كاهلها لفترات طويلة، وقد يكون من هذه الزاوية جاء تصريح ترامب المذكور أعلاه عن وقف الحرب، وخاصة بعد الكلام الذي نُقل عن قائد الأركان الأمريكي، بأنه ضرب كل شيء كان مخططاً ضربه في إيران، وانه لم يعد هناك اي هدف لم يُضرب، وكذلك الإسرائيلي ضرب كل شيء.

لقد ضربوا الموانئ والسفن، وبحسب ما أعلن ترامب، فقد دمروا ٤٧ سفينة وأغرقوها تماماً، وأعطبوا أربع سفن أخرى، كذلك ضربوا المطارات والطائرات المدنية والقواعد العسكرية والمراكز الأمنية وغيرها من الأهداف الاستراتيجية والحيوية والبنى التحتية، بقنابل ثقيلة جداً، وقد أفرغوا كل حقدهم وكل غلّهم بالشعب الإيراني، ولعل مجزرة مدرسة (الشجرة الطيبة) الابتدائية الخاصة بالبنات في مدينة ميناب جنوب إيران، التي تضم ٢٦٤ تلميذة، هي أكبر دليل على الجريمة البشعة التي ارتكبتها القوات الأمريكية والإسرائيلية بتاريخ ٢٨/٢/٢٠٢٦، والتي أسفرت عن مقتل ١٦٥ تلميذة وإصابة ٩٦ أخريات، عبر ثلاث رشقات صاروخية أمريكية من طراز توماهوك، الأمر الذي اضطر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) أن تعرب عن (قلقها البالغ) إزاء عمليات القصف في إيران واستهداف التلميذات البريئات، اللواتي وُئدْن تحت الأنقاض.

يقول قائل: غداً عندما يسأل رب العالمين كل (موءودة) بأي ذنب قتلت؟ فيا ترى كيف سيبرر ترامب ونتنياهو هذه الجريمة؟ وهنا لن ندخل بتفاصيل الجرائم السابقة التي ارتكبوها في مختلف المناطق بحق الأطفال من غزة إلى جزيرة إيبستين، وغيرها من المجازر والجرائم عبر تاريخهم الدموي الأسود.

بالتأكيد هذه المجازر والجرائم كلها ستبقى وصمة عار إلى الأبد على جبين الإمبريالية المتوحشة المتحالفة مع الصهيونية العالمية الإرهابية، والمتمثلة حالياً بتحالف الثنائي سيئ الصيت: ترامب ونتنياهو، ولن تسقط بالتقادم أو مع مرور الزمن. للأسف ما تزال آلة الحرب الإرهابية الأمريكية الإسرائيلية تواصل اعتداءاتها على الشعب الإيراني، بأعتى الأسلحة وأقوى الذخائر والصواريخ، مخلفة دماراً فوق دمار.

نعم قد يكون صحيحاً ما يقال بأن إيران ستحتاج إلى أكثر من عشر سنوات لتقوم لها قائمة من بعد هذا الدمار المنقطع النظير، والخراب الكبير، فضلاً عن استمرار ضرب البرنامج النووي الإيراني بكل أنواع الأسلحة الثقيلة وخاصة كما يقال، يُضرب بقاذفات ال b 2، المعروفة بشدة وقوة دمارها، والتي تستطيع ان تمحو وتزيل جبالاً بأكملها عن الوجود، لكن ورغم كل ذلك يبدو أن أمريكا تتخبط لأنها لم تحقق أهدافها التي أعلنتها وعلى رأسها إسقاط النظام بالقوة.

مع تطورات الحرب بدأت التصريحات من هنا وهناك، وانتشرت الاخبار والتسريبات الفيسبوكية الكبيرة، والتي كلها تُجمع على أن أوربا تنقلب على ترامب وإسرائيل وتقول لهما: (اسحبوا قواتكم وتوقفوا عن ضرب طهران!)، وكذلك يجري التداول بأن ماكرون تواصل مع قادة في ايران وقال لهم بأن: (الاتحاد الأوربي يقف معكم، ولن نسمح بحصاركم).

قد يكون هذا الكلام صحيحاً ومترافقاً مع تزايد الأزمة الاقتصادية العالمية، فقد بدأت بعض دول الاتحاد الأوربي تقفز من المركب الأمريكي، تحت شعار: (ربي أسألك نفسي)، وإسبانيا كانت في مقدمة الدول التي قلصت علاقاتها مع إسرائيل وقامت بطرد السفير الإسرائيلي، وعلى نهجها سار العديد من الدول التي قاطعت دولة الاحتلال منها: البرازيل، تشيلي، كولومبيا، …وغيرها.

لكن الشيء اللافت والبارز والأهم من كل ذلك هو ما صرحت به رئيسة وزراء إيطاليا: (نحن غير راضين عما تفعله أمريكا وإسرائيل، عليهم الانسحاب الآن قبل أن يغرقو ا العالم في أزمات لا عودة منها ولا حلول لها)، ويقال إن فرنسا وألمانيا وافقت على هذا الرأي، ويبدو أن قادة الاتحاد الأوربي أيقنوا أن استمرار إغلاق مضيق هرمز يعني أن أسواقها المحلية تتعرض لأكبر هزة في تاريخها الحديث، ولذلك يعتقد البعض، بأن قادة الاتحاد الأوربي الكبار بدؤوا بالفعل يتواصلون مع ترامب مطالبين بسرعة إيقاف الحرب والخروج من الشرق الأوسط لوقف النزيف والخسائر التي حلت بهم وبالعالم كله نتيجة هذه الحرب المجنونة والعدوان غير المبرر.

يقال إن ترامب أبلغ قادة الاتحاد الأوربي بأن إيران لا تريد وقف الحرب.

يقول البعض يبدو أن ترامب أدرك متأخراً أنه وقع في ورطة جُرّ إليها، دخلها على أمل تحقيق انتصار سريع وعاجل، ولكن سارت الأمور في غير ما صُوّر له، وأمام ازماته الداخلية وتراجع شعبيته وفي ظل استياء معظم الأمريكيين والضغط الشعبي والدولي، بدأ يفكر في الخروج هارباً من حرب تحالف إيبستين الفاجر؛ ولكن دخول الحرب وتحديد بدايتها، ليس كافياً وليس على مزاجه ومزاج حليفه المجرم النازي لإيقافها أو إنهائها.

من جهة أخرى كشفت صحيفة (وول ستريت جورنال) نقلاً عن مسؤول أمريكي أن المعارك التي اندلعت خلال الأسبوعين الماضيين خلفت خسائر كبيرة في صفوف الجيش الأمريكي، وأشارت التقارير الأولية إلى مقتل ١٣ جندياً أمريكياً وإصابة نحو ٢١٠ آخرين منذ بداية العمليات العسكرية، بينهم ١٠ إصابات وُصفت بالخطيرة.

وبحسب المصادر، فإن حوالي ١٧٠ جندياً من المصابين عادوا بالفعل إلى الخدمة العسكرية بعد تلقي العلاج، بينما لا يزال آخرون يتلقون الرعاية الطبية.

هذه الأرقام تكشف لأول مرة حجم الخسائر الحقيقية التي تعرضت لها القوات الأمريكية منذ اندلاع الحرب، التي ما زالت تتوسع ميدانياً في أكثر من منطقة بالشرق الأوسط.

وبرأي كثيرين، هذه الخسائر وغيرها من استذكار تاريخ حروب الولايات المتحدة مع الغير جعلت ترامب يخفّف لهجته وخطابه ضد إيران ويلجأ إلى الخيار الديني ويطلب من المؤمنين وبقية المواطنين الصلاة لأجله والدعاء له بالنصر على إيران.

للتذكير فقط، فإن الحروب التي خاضتها أمريكا سابقا ما تزال ماثله أمام الجميع وكانت نتيجتها تقريباً واحدة:

١- فيتنام — أقوى جيش في العالم يُهزم هناك.

٢- أفغانستان — ٢٠ سنة و٢.٣ تريليون دولار خسائر وعادت طالبان للحكم.

٣- إيران ٢٠٢٦ — حوالي الأسبوعين، والنظام فيها لا يزال واقفاً وصامداً ويردّ بكل قوة.

وبحسب المتابعين فإن هذه الحرب تكلف أمريكا أكثر من مليار دولار يومياً، وأنها تحمل دَيناً قومياً يتجاوز ٣٨ تريليون دولار.

ومع طول فترة الحرب، واستمرارها بدأ الأمريكيون يتسألون: (لماذا يموت جنودنا؟ وأين نتنياهو؟! فهل مازال يلعب غولف في فلوريدا حتى الآن؟!).

من جهة أخرى بدأت الأوساط المعنية والنخب العسكرية والأمنية الأمريكية بالتفكير جدّياً وهم في حيرة من أمرهم على مبدأ (راحت السكرة وإجت الفكرة)، يتخبطون ولا يدرون ماذا سيفعلون قائلين:

– إذا كان هناك غزو بري، فهذا يعني هناك كارثة ستحل بجنودنا بسبب تضاريس إيران.

– إذا كانت هناك حرب طويلة، فهذا يعني انهياراً اقتصادياً داخلياً.

– إن استمرار الضربات يعني مزيداً من الخسائر بلا نتائج.

ويبدو واضحاً أن أمام جنرالات الحرب الأمريكان لا يوجد خطة للنصر، وهذا يعني في العلم العسكري هذه ليست حرباً بل هي مغامرة غير محسوبة.

ويبدو واضحاً أن العالم بغالبيته ضد ترامب وضد الحرب.

وكما قلنا، مع إغلاق هرمز شبه الكامل، توقف 20% من إمدادات الغاز العالمية. وأسعار الطاقة في أوربا ارتفعت بشكل غير مسبوق. والشوارع الأوربية بدأت تغلي، الأمر الذي فرض على العديد من الدول محاولات للتدخل بوقف الحرب، ويبدو أن هناك رسائل سلام متبادلة بين الطرفين الإيراني والأمريكي، بحسب التسريبات التي تقول بأن إيران تريد السلام ومستعدة له لكن وفق شروط معينة، وقد يكون ملف فتح مضيق هرمز إحدى هذه الرسائل.

إذا صدقت هذه الروايات وهذه التسريبات، فقد يخفّ الضرب عن دول الجوار، ومن المتوقع أن روسيا سيكون لها دور وسيط وتكون راعياً للسلام بين الطرفين.

لكن وفي الوقت نفسه، هناك من يرى أن المنطقة على حافة تصعيد أكبر، مع استمرار تبادل الضربات وتوسع ساحات المواجهة، فإن الحرب قد تتجه إلى مرحلة أكثر خطورة، إذا استمرت العمليات العسكرية بهذا الشكل. وإن الصراع لم يعد مقتصراً على إيران وإسرائيل فقط، بل أصبح يشمل القوات الأمريكية المنتشرة في عدة دول بالشرق الأوسط، ما يفتح الباب أمام احتمالات تصعيد إقليمي أوسع.

يعتبر الكثيرون أن خوض هذه الحرب هو الخطأ الاستراتيجي القاتل لترامب وشركاه، والنتيجة المباشرة للغباء وسوء التقدير وللتبعية والوقوع تحت تأثير اللوبي الصهيوني والانصياع لأوامرهم وتحقيق رغباتهم.. ترامب بحربه أفقد أمريكا كل من كان ينظر لها كحليف، وفضح المستور وأظهر للعلن أنهم لا يختلفون شيئاً بكونهم مارقين، وأيضاً أن همّ النخب الأمريكية أولاً وأخيراً هو حماية دولة الكيان الإسرائيلي الغاشم العنصري المحتل.. إنها بداية النهاية لكليهما.

ويتابع البعض قوله:

يبدو ​نحن أمام (فوضى منظمة) تقاد ببراعة؛

أمريكا وإسرائيل تضربان بكل قوة ودون رحمة، وإيران ترد وتضرب الاقتصاد، حزب الله يضرب الروح المعنوية، دول الاتحاد الأوربي تولول وتهرول للخروج من هذا الكابوس المرعب لدولها وشعوبها، وروسيا والصين يراقبان سقوط الإمبراطورية الأمريكية من مقاعد المتفرجين مع بقية دول العالم.

يبدو أن التاريخ يُكتب من جديد.. والسيادة الآن لمن يملك (الصبر الاستراتيجي) وقوة الردع.

العدد 1191 - 18/03/2026