إيران: استراتيجية “وليّ الدم”
د. نهلة الخطيب:
بغطرسة القوة والانحطاط لا شيء سوى أمريكا، يقولها ترامب صراحة: أنتم لا شيء دون أمريكا العظيمة القوية، افعلوا كل شيء لتبقى أمريكا هي الأعظم)، وأي دولة بالعالم لم ولن تكون إلا بحماية الأساطيل الأمريكية، بالقوة العسكرية تدير السياسات العالمية بما يتناسب ومصلحتها دون رقيب أو حسيب وترسم خرائط العالم والنفوذ الجيوسياسي ولن يستطع أحد زعزعتها، لا الأمم المتحدة ولا مجلس الأمن ولا دول عظمى أو كبرى، اللعب بأعلى مستوياته في منطقتنا التي شهدت تغييرات كبيرة تتناسب ورؤية نتنياهو للشرق الأوسط، وقد حقق ترامب وإدارته لإسرائيل إنجازات كبيرة وما ينبغي فعله وكأنه الصهيوني الأشد تطرفاً، وهذا ما أكده في حروب إسرائيل الدائرة حالياً في المنطقة، ونحن بذروة الغباء حين لا ندرك العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، ها هو ذا ترامب يواجه العالم من أجل إسرائيل!
ونحن العرب مازلنا في الفلك الأمريكي كالمستجير من الرمضاء بالنار!! بعدما أظهرت حرب إيران السقوط الأمريكي والإسرائيلي الردعي والأخلاقي وحتى العسكري، نطلق نداءات السلام ونتمسك بالمبادرة العربية للسلام رغم الأحداث التي مرت بنا، ما مصير الشعب الفلسطيني والشعوب العربية؟ ألم تقتل إسرائيل السوريين والعراقيين والمصريين واللبنانيين؟ والوجود الأمريكي على أراضي دول عربية، ممن تولوا أمرنا وغزة تحترق، لم يحمِها بل جعلها أهدافاً لحروب إسرائيل، الخليج اليوم يكتشف الحقيقة المرة أن القواعد الأمريكية والأساطيل الأجنبية لم تكن لحمايتهم بل لحماية إسرائيل والثمن يدفعه النفط العربي، أما آن الأوان لبناء استراتيجية عسكرية مشتركة عربية على الأقل، والخطر يلف المنطقة بأكملها؟ ما حاجة السعودية لبناء اتفاق دفاع مشترك مع الباكستان وتركيا؟ أين أخوّة الدم والتراب؟ إلى متى يا عرب، وأنتم تدركون حدود إسرائيل الكبرى وخطرها، لا الخطر الإيراني؟!
بعد حشود عسكرية ضخمة مدججة بأحدث الأسلحة والتكنولوجيا تنهار أمامها دول كبرى، كان الرهان الأمريكي على اغتيال القيادات الإيرانية وإسقاط النظام في الساعة الأولى من الهجوم رهاناً خاسراً، تم تصفية ما يقارب الخمسين منهم ولكن هذا النظام لم يسقط بل أصبح أقوى، وعُيّن ابن المرشد لأنه (وليّ الدم) وهي استراتيجية تضمن بها الدولة الإيرانية أن لا يتنازل عن الثأر لدم أبيه وعن الانتقام والتصعيد والتشدد ضد أمريكا وإسرائيل.
بعد أسبوعيين من الحرب أعلن ترامب الانتصار والقضاء على قوة إيران بالكامل متزامناً مع إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي بالقضاء على 80% من هذه القوة، لكن فعلياً نرى أن إيران بكامل قوتها وكل ما هو أمريكي وإسرائيلي أصبح هدفاً لها، ولاتزال تطلق الصواريخ الباليستية والانشطارية بشكل متواتر ومنتظم على إسرائيل، وألحقت بها خسائر كبيرة جداً يكفي أن سكانها في الملاجئ منذ بداية الحرب، دمرت القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة بشكل شبه كامل في منطقة الخليج وأغلقت مضيق هرمز الذي يتحكم في 20% من غاز العالم (استراتيجية شل الاقتصاد العالمي) ومن يتحكم بالممرات المائية يتحكم بالعالم، هاجمت ناقلات النفط والغاز الطبيعي في دول الخليج وفرضت قيوداً على المرور، مما أدى إلى اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، مع زيادة التصعيد الأمريكي الإسرائيلي على إيران لإجبارها على الانهيار والاستسلام، ولكن إيران باستراتيجية جديدة تستعد لشن حرب طاقة على الاقتصاد العالمي لفترة للوصول إلى تسوية عادلة بوصفها خياراً وحيداً.
في تقرير لفورن أفيرز يرى أن ترمب بدا متفاجئاً بالفوضى التي تعم أسواق النفط بعد إغلاق إيران مضيق هرمز إذ أنه لم يستعد لهذا الخيار، مما دفعه للنظر بتخفيف العقوبات على الغاز الروسي مما يؤكد حاجة العالم لروسيا.
استراتيجية إيران إطالة أمد الحرب والرد على إسرائيل والقواعد الأمريكية في الخليج سترفع التكلفة الاقتصادية للحرب وتجعلها مكلفة سياسياً لترامب في الداخل الأمريكي وفي الشرق الأوسط، مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي، وترامب لن يتحمل العبء السياسي الناجم عن ارتفاع أسعار الوقود بسبب الحرب التي لا تلقى تأييداً شعبياً ولا يوجد إجماع دولي أو اقليمي لها، فالحرب غير مبررة أمريكياً ولا إسرائيلياً بعد أن قدمت إيران تنازلات لترامب ما لم تقدمه لرئيس أمريكي في التاريخ بتخفيض تخصيب اليورانيوم وملفات أخرى، ترامب يريد إنهاء الحرب ولا يستطيع إقناع الداخل الأمريكي الآن بانتصاره.
متى وكيف ستنتهي الحرب؟ لا أحد يعرف! ترامب أشعل الحرب وهو مُطالب باتخاذ قرار لإنهائها، كيف وهو الذي صرح أنه لن يوقفها قبل استسلام إيران غير المشروط، ثم تبعه مباشرة تصريح أن حربه على إيران ستنتهي خلال أيام، لا رؤية واضحة لإنهائها وما تريده أمريكا لإيران ولماذا الحرب البيت الأبيض عاجز عن الرد، هيغست وزير الدفاع يناقض الرئيس والرئيس يناقض نفسه، حتى أوربا حائرة لا تفهم هذا التخبط الذي يفعله ترامب!! مهندس الهجوم ويتكوف أيضاً لا يعرف متى تنتهي الحرب!! هذا التصريح يدين صناع القرار ويخفي الحقيقة أمام انجرار ترامب وإدارته وراء نتنياهو. ويضع الخطط المعدة للحرب في دائرة الشك حول تحقيق أهدافها.
نحن في حرب شاملة على مستوى الشرق الأوسط والجميع متضرر، إسرائيل وأمريكا تورطتا بحرب غير مدروسة ولا متكافئة مع إيران وحزب الله مما يشير إلى حرب طويلة الأمد، ومن خلال استغلال ورقة الحرب تأمل إيران والحزب إلى استعادة قدرات الردع حيث يكفي للطرف الأضعف البقاء لتجنب الهزيمة وتجنب حرب طويلة الأمد ذات عواقب اقتصادية كبيرة، إيران وحزب الله تكبدتا خسائر كبيرة بلا شك ولكنهما مصممتان على مواصلة القتال (حرب وجودية)، وهذا يعني تحول الحرب إلى اختبار للصمود والمعاناة الاقتصادية والشرعية السياسية حيث يحاول كل طرف إجبار الآخر على قبول سلام غير مرضي، وقد تمتد الحرب لأسابيع أخرى حتى تعلن أمريكا الانسحاب التكتيكي والسقوط الاستراتيجي وتوافق على الشروط الإيرانية واتفاق نووي جديد وروسيا هي البديل الوحيد وراء ما يفعله ترامب.