أزمة الهيمنة..  وحالة لا حرب ولا سلام

د. نهلة الخطيب:

التقارير الاستخباراتية الأمريكية كانت تقول إن النظام الإيراني لا يمكن أن يسقط ومع ذلك ترامب تجاهلها تماماً ووظفها كما يشاء وذهب إلى الحرب وقد دقت ساعة إسرائيل الكبرى، من مواجهة عسكرية حسمها يحتاج لا إلى ساعات أو أيام لإسقاط النظام الإيراني وتغيير الشرق الأوسط وخلق موازين إقليمية جديدة بقيادة إسرائيل، إلى التهديد بانهيار النظام العالمي وسقوط هيبة الإمبراطورية الأمريكية واقتصادها، بعد فشل التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي معاً في مواجهة قدرات عسكرية أخرى بإمكانيات أقل بكثير منها وتحقيق إنجازات سياسية لصالح الهيمنة الأمريكية، وامتناع الحلفاء عن الانخراط في الحرب ومساعدة أمريكا بمنطق العقل (فهذه ليست حربنا!)، هنا بدأت أزمة الهيمنة وإذا كانت أمريكا قادرة على الحسم خلال أيام فلماذا تراجعت؟! هل ستنهار أمريكا كدولة عظمى خاصة بعد تخلي أوربا عنها ورغبتها في طرح مقاربات أوربية بعيدة عن القوة الأمريكية، وحالة التنمر الأمريكي عليها بأحدث تصريح للمستشار الألماني يلمح بطرح حلول لأزمة مضيق هرمز بتخفيف العقوبات الاقتصادية على إيران في حال سمحت بعبور ناقلات النفط إليها.

نعم، تغيّر الشرق الأوسط ولكن ليس كما يحلو لنتنياهو ونحن في لحظة تحول خطيرة وانتقال من نظام إقليمي إلى آخر وربما دولي ستحددها نتائج الحرب، إيران خرجت من الحرب أقوى، بغض النظر عن ما حققته أمريكا، والتحكم بمضيق هرمز أصبح استراتيجية حتمية لها، قدرتها على التأثير في تشكيل النظام الاقليمي ستكون أكبر بكثير مما كانت عليه قبل الحرب، فمن لا ينخرط في صنع التوازنات يفرض عليه توازن يصنعه الأخرون، تشاك شومر الديمقراطي وكبير أعضاء مجلس الشيوخ يقول: (النظام الإيراني أصبح أكثر تشدداً مما كان عليه عندما بدأ ترامب الحرب ولم يكن النظام على سوئه متحصناً كما الآن، مما يجعل التفاوض أكثر صعوبة وكل ما فعله ترمب في هذه الحرب جعل الأمور أسوأ. إيران تواصل خنق الاقتصاد العالمي وقبضتها على مضيق هرمز أكثر قوة من أي وقت مضى). فتح المضيق يكاد يكون مستحيلاً حالياً، فالتفاوض بين الطرفين وتفصل بين شروط الطرفين لوقف إطلاق النار هوةٌ واسعة، فلا إيران تتراجع (لا نفاوض إلا بشروطنا)، ولا أمريكا قادرة على الحسم. حالة عدم استقرار وعدم يقين طويلة نسبياً إلا أن تمحى إيران عن الوجود كحضارة بعد تهديد ترامب باستخدام السلاح النووي، فكل الخيارات مفتوحة، مزيد من الضغوط القصوى والحصار الاقتصادي يمكن أن يدفع إلى انقسام النظام الإيراني، ولكن المشكلة ليست في من يتخذ القرار بل في عدم الاستعداد لتقديم تنازلات، إيران تدرك إنه تفاوض غير مباشر مع إسرائيل عبر ويتكوف وكوشنر ورفع المطالب الإسرائيلية باعتبارها مطالب أمريكية متجاهلين المصالح الأمريكية في المنطقة.

تعثر تحقيق أهداف نتنياهو في الجبهات التي أشعلها سواء في غزة أو لبنان أو إيران ينعكس عليه سلباً ويعمق الفجوة ما بين نتنياهو والمجتمع الإسرائيلي، لذلك نتنياهو دائماً يبحث عن ساحة تعويض حينما تعثرت المسألة في إيران ذهب إلى التصعيد في لبنان وأصر على استمرار المواجهة والفصل بين الجبهات، لبنان لم يكن لقمة سائغة لنتنياهو فالتعقيدات الميدانية تصعّب على إسرائيل تحقيق أهدافها. ما أظهره حزب الله من مقدرة عسكرية عالية عند الدخول إلى الجنوب وخاصة بعد معركة بنت جبيل كشفتها خسائر إسرائيل الكبيرة في الأرواح والعتاد، نتنياهو وترامب في مأزق كبير لا سبيل سوى الحريق للوصول إلى إسقاط النظام الإيراني الذي سيعود إلى تحسين صورتهم بالداخل وتحسين فرصهم بالعودة إلى الحياة السياسية، وحتى الآن المسار ما زال متعثراً، نتنياهو يبدو عارياً من كل الإنجازات، بل انعكست هذه الحروب على إسرائيل مزيداً من العزلة وارتباكات اقتصادية وسياسية وتراجع مكانة إسرائيل في أمريكا وتحديداً انقسام الإجماع الأمريكي على دعم إسرائيل، وهو ما كان سائداً طيلة السنوات الماضية، لكنه الآن هي خيار ترامب وإدارته فيما ينفض عنها الجميع، يخشى الآن من التصعيد والتدمير الشامل للجنوب اللبناني وعودة العمليات العسكرية في قطاع غزة، وقد كشفها نتنياهو أمام الكابينت عندما أظهر فشل ترامب بتشكيل تحالف لفتح مضيق هرمز وكذلك فشله في بناء ائتلاف لتفكيك حركة حماس، لرغبته في حسم نتائج السباق الانتخابي.

اتفاقيات جزئية وهدن متقطعة ومفاوضات تقيس مدى ضعفك وكيفية الانقضاض عليك، استمرار حالة لا سلم ولا حرب لفترة طويلة ينذر باقترابنا من الهاوية وانعكاسات كارثية على أمن العالم الطاقي والغذائي. أي سلام وأي حرب مع الجنون الأمريكي والجنون الإسرائيلي!! كل الأحداث الأخيرة والتحركات والحشود العسكرية الأمريكية نحو الشرق الأوسط ، لأول مرة منذ سنوات تجتمع بآن واحد ثلاث حاملات طائرات أبراهام لينكولن وجيرالد فورد وجورج بوش تضم 200 طائرة و15 ألف جندي! بالتأكيد ليست للتنزه بل تحاكي ما يجول في عقل ترامب بسلوك الحل العسكري لحسم الحرب ووضع ارتكازات استراتيجية في الدول المتاخمة للدول المستهدفة الآن ومستقبلاً والسباق للتحكم في الموارد وممرات التجارة العالمية تمهيداً لحسم المعركة الاقتصادية أولاً للإبقاء على القطب الأوحد، ثم مشروع إسرائيل الكبرى الذي يقتطع أجزاء من كل دول المنطقة.

الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت وما يدار في الغرف السرية سيتكشف والغزو البري لإيران قريب مسألة وقت لتكتمل اللعبة، هذا ما يتمناه نتنياهو فتدخل المنطقة بحرب استنزاف وفوضى لا حدود لها من ينتصر فيها أمريكا الأقوى عسكرياً أم إيران الأكثر تحملاً للخسائر، ولكن التجارب تؤكد فشل أمريكا في مثل هذه الحروب لأن الدفاع عن الوطن شيء مقدس وواجب، وأمريكا التي جاءت قواتها من آلاف الأميال للدفاع عن إسرائيل تلقت درساً قاسياً في جبروتها واعتداءاتها، وهنا يتبعه سقوط ترامب وحزبه، فأمامه دستور يمنعه من حرب لم يوافق الكونغرس عليها بعد وانتخابات التجديد النصفي قد يخسرها فتنهي مستقبله السياسي، فحسب استطلاعات الرأي شعبية هذه الحرب تتراجع مع تراجع شعبية ترامب.

العدد 1196 - 29/04/2026