العالم يعيش لحظة خيار شمشون أو التعقّل
إبراهيم الحامد:
بحربه المجنونة التي جرّه نتنياهو إليها، قد أوصل دونالد ترامب أمريكا والعالم إلى حافة الجحيم.
إن ما يتداوله المطلعون على ما يصدر من وراء الأبواب المغلقة للبنتاغون من تصريحات، والتي لم تعد مجرد تصريحات دبلوماسية، بل هي عبارة عن أرقام وحقائق ميدانية تقلق مضجع الجنرالات الأمريكيين، قد وضعت ترامب في مأزق لم يختبره أي رئيس أمريكي منذ أزمة الصواريخ الكوبية.
إن ما تسرب من وراء تلك الأبواب المغلقة ؤكد أن الجنرالات الأمريكيين، الذين حاولوا كبح جماح التهور السياسي لإدارة البيت الأبيض بالنصيحة، قد انتقلوا إلى عملية إنذار قد يكون له تداعيات على مكانة أمريكا في شكل النظام العالمي في المرحلة ما بعد الحرب الأمريكية على إيران، وهذا ما ينذر به قراءة الوقائع التالية:
أولاً – إنذار البنتاغون الذي ينبئ بخيارات أحلاها مر، فهم بذلك لا يتحدثون عن هزيمة عسكرية تقليدية، بل يتحدثون عن فقدانهم لاستراتيجية الردع التي تفوق ما هو مقرر، ولم تعد كافية لتغطية ثغرات الانتشار العسكري الأمريكي.
ثانياًـ أزمة نضوب المخازن الأمريكية في ظل تكتم الاستنزاف الصامت، ولأن العقيدة العسكرية الأمريكية مبنية على التفوق التكنولوجي المطلق، وهي تصطدم اليوم بجدار الواقع الذي أحدثته إيران في مجابهته، لأن صواريخ الاعتراض من طراز ساد وباتريوت باك٣، وحسب الخبراء العسكريين، هي قطع تكنولوجية معقدة، تستغرق إنتاجها سنوات، وتلبغ تكلفة الصاروخ الواحد ما بين ٢-٣ ملايين دولار، وتستخدم لإسقاط مسيرة إيرانية تكلفتها ٢٠ ألف دولار أو صاروخ تكلفته ١٠٠ ألف دولار، ويذكر أن العدد المستخدم في المواجهة حتى الآن صادم للبنتاغون، ويقال: إن قيادة الإمداد العسكري قد أبلغت ترامب، ما مفاده بأن الاستمرار في وتيرة التصعيد، يعني أن المخزون العسكري الاستراتيجي المخصص لحماية القواعد الأمريكية في المحيط الهادي لمجابهة الصين، قد بدأ سحبه لصالح جبهة شرق الأوسط، ويعتبر ذلك خطأ استراتيجياً قاتلاً.
ثالثاُ – مستنقع حرب الصبورة الذي وقعت فيها أمريكا والذي يستنزفها ببطء، فالكثير من القوى العظمى قد خسرت في مثلها تاريخاً، والبنتاغون تدرك أن إيران تدير الحرب بهذه الاستراتيجية، وأن جنرالاتها لا يريدون مواجهة اساطيل الأمريكية وجهاً لوجه، بل يريدون إجبار واشنطن على البقاء في حالة استنفار قصوى، لتستهلك الأرواح والعتاد والمليارات يومياً دون تحقيق هدف نهائي واضح، لذا يرى الجنرالات الأمريكيون أن الانسحاب التدريجي بكرامة أفضل من الهروب الفوضوي كما حدث في أكثر من موقع وأخرها أفغانستان.
رابعاًـ مأزق النفط حين يتحول إلى سلاح صامت بيد الطرف الآخر، فطالما الخليج هو الحديقة الخلفية للطاقة العالمية، فإن الواقع الميداني الجديد الآن يفرض معادلة مختلفة تماماً، وهذا مرتبط بأمن الملاحة واستحالة الحماية الشاملة، وذلك بعد ضربات الفجيرة والتهديدات المستمرة لمضيق هرمز. لقد اكتشفت البحرية الأمريكية إن تأمين كل ناقلة نفط تخرج من الخليج يتطلب توزيعاً عسكرياً مختلفاً عن الآن، وهو ما يندرج تحته أولاً المستحيل التقني، فلحماية مئات السفن يومياً تحتاج واشنطن إلى مضاعفة عدد قطع الأسطول الخامس ثلاث مرات، هذا الانتشار يجعل القطع البحرية الأمريكية نفسها أهدافاً سهلة للألغام البحرية الذكية وللزوارق الإيرانية السريعة. أما الحديث عن إغلاق مضيق هرمز، فبإغلاقه ولو لـ ٤٨ ساعة، قد يقفز سعر برميل النفط قفزة صادمة للمستهلكين، وإن حدث ذلك سيؤدي حتماً إلى انهيار البورصات في نيويورك ولندن وغيره، وهذا ما قد يؤثر على السلم الأهلي الأمريكي ويضعه على المحك، لأن ترامب قد بنى شعبيته على الوعود بالازدهار الاقتصادي، فهو يجد نفسه الآن أمام معادلة صفرية، لأن حربه تعني ارتفاع كالون البنزين في كاليفورنيا وتكساس، وهو ما قد سيترجم إلى غضب واحتجاجات قد تخرج عن السيطرة، المأزق هنا لم يبقَ عسكرياً فقط، بل سيكون مأزقاً في صناديق الاقتراع.
خامساً – والأهم من كل ذلك هو: البعد العالمي والجحيم المرتقب، لأن واشنطن ليست وحدها في الميدان، بل هناك قوى دولية تترقب سقوط الأمريكي في الفخ، مثلاً رئيس كوريا الشمالية كيم جون أون المجنون العبقري حسب وصف بعضهم، فبيونغ يانغ ليست بعيدة عما يحدث في طهران، فهو أي كيم يدرك أن تشتت انتباه الأمريكي هي لحظة المثالية لفرض واقع نووي جديد، فحسب الخبراء العسكريين، إن في التكتيك إذا ما بدأت الحرب في الخليج، فمن المتوقع أن يقوم بتجربة صاروخية عابرة للقارات، أو تجربة نووية تحت الأرض، وهذا ما يجبر ترامب على التفاوض من موقع الضعف، أو القبول بوجود قوة نووية تهدد حلفاءه في اليابان وكوريا الجنوبية، وعلى الخط نفسه وجود البعبع الباكستاني النووي والقلق من انفلاته، أي إن دخول باكستان في التحليلات الاستراتيجية لبنتاغون ليس عبثاً، لأن أي زعزعة في الاستقرار الممتدة من بحر العرب إلى حدود أفغانستان تثير رعب واشنطن من وصول التوترات إلى الرؤوس النووية في إسلام آباد.
ما يخشاه البنتاغون اليوم سيناريوهات السقوط المتتالي الذي لا يمكن إيقافه في حال اشتعال الصراع السياسي أو المذهبي في المنطقة، إضافةً لتربص الروسي والصيني المنتظر لما سيحدث، ففي الوقت الذي تنشغل أمريكا بتفاصيل المسيرات الإيرانية وزوارقه السريعة، تقوم موسكو وبكين برسم خارطة ما بعد أمريكا.
روسيا التي تتربص ارتفاع أسعار النفط لتمويل وتحسين وضعها الاقتصادي والعسكري، ولتقدم نفسها كوسيط ملمّ بخبايا أطراف الصراع، والقوى الإقليمية وخاصة الخليجية وتركيا اللتان تخشيان من ارتداد تداعيات الحرب الدائرة على داخلها.
الصين تراقب بصمت تآكل القوة البحرية الأمريكية، لتستمر هي في قضم النفوذ الأمريكي الاقتصادي وانهياره في آسيا وأفريقيا لتعلن عن نظام مالي عالمي جديد ينهي عصر الدولار.
وبحسب التحاليل العسكرية والسياسية التي سبق الحديث عنه، قد بات دونالد ترامب في مأزق وأمام خيارين أحلاها مر، خيار شمشون (عليَّ وعلى أعدائي)، والمقامرة باستخدام الضربة الشاملة، أو خيار الصفقة واللجوء لطاولة المفاوضات وربما ستكون في مسقط عاصمة سلطنة عمان، التي من عليها صعّد ترامب حربه ضد إيران.
١-سيناريو المقامرة الدائر الآن، إذا اختار ترامب التصعيد الشامل، فهو سيراهن بذلك على كل شيء، ومفاده ضربة ساحقة لإيران قد تدمر قدراتها العسكرية، لكنه سيفتح أبواب الجحيم في المنطقة، وسيشعل نار جهنم قد يصل شراره إلى أوربا عبر موجات هجرة غير مسبوقة، وانهيار اقتصادي عالمي.
٢-سيناريو صفقة المفاوضات وهي الواقعية المرة خلف الكواليس وحسب ما يقال: إن هناك مؤشرات لرائحة طبخة سياسية في سلطنة عمان. وإن تمت صفقة عمان، فلن تكون مجرد اتفاق تقني، بل سيكون اعتراف أمريكي بأن زمن الإملاءات الأحادية قد انتهى، وفي جوهره قبول بنفوذ إيراني إقليمي مقابل تدفق النفط. طبعاً ستكون التوقيع على الصفقة لترامب بمثابة تجرع السم على المستوى السياسي.
فإما أن يتجرع هذا السم ويعلن عن نفسه بأنه رجل براغماتي يعترف بحدود القوة ويلتزم بها للحفاظ على ما تبقى من النفوذ في ظل ولادة نظام عالمي جديد من على طاولة مسقط للمفاوضات، أو إنه يعلن عن أنه رجل حرب وسيخاطر بكل كل شيء، ويجر العالم إلى جحيم مجهول، ويفضي ذلك لتشكل نظام عالمي جديد، ربما سيكون لأمريكا فيه الدور الرئيسي، وربما سيخسر دوره الحالي، والأبواب مشرعة لكل الاحتمالات، إلا أن الاحتمال الأكيد أن البشرية ستعيش كوارث فظيعة ما لم يعقل ترامب ويتوكل!!
—————
ملاحظة: كتبت المقالة في ضوء تحليلات وتصريحات المحللين الاستراتيجيين والخبراء العسكريين.