هل ستُستخدم الأسلحة النووية ضد إيران؟
المحلل السياسي: ألكسندر نازاروف:
الفأر حيوان اجتماعي، ومبادئ تنظيم جماعات الفئران تشبه إلى حد كبير مبادئ المجتمع البشري.
وقد أجريت وتُجرى العديد من التجارب الاجتماعية على الفئران، التي تثبت أن من يتبوأ الهرم الاجتماعي لدى الفئران ليس الأذكى وإنما الأكثر عدوانية.
يمكننا ملاحظة المبدأ نفسه لدى المجتمع البشري، فالصراع على السلطة لا يُحسم لصالح الأكثر جدارة أو أخلاقية، بل لصالح الأكثر تعطّشاً للسلطة، لأولئك المستعدين للقتال من أجلها دون رادع. يسري هذا المبدأ داخل المجتمع البشري وبين المجتمعات وبين الدول على حد سواء. وكلما اشتدت حدة الصراع، وارتفعت المخاطر، وازدادت الظروف حرجاً بالنسبة للمشاركين، ازداد الالتزام بهذا المبدأ.
وبمد الخط على طوله، يمكننا القول إنه في صراع على السلطة بين خصمين متكافئين، يكون الفائز هو من على استعداد للتضحية بحياته في سبيل هذا الصراع. ويشبه الأمر سيارتين تتسابقان وجهاً لوجه، فالفائز هو من لا ينحرف، ومن على استعداد أن يضحي بحياته من أجل السلطة أو النصر، أيّاً كان مسمّى الهدف. أو يموت كلاهما، إذا تساوت رغبة كليهما في السلطة/ النصر.
أودّ تطبيق هذا الاستنتاج على موضوعين:
1- لا يوجد حل للصراع الحالي بين القوى النووية المتكافئة (تتساوى الدول الخمس الكبرى في القوة من الناحية النووية) سوى الفناء النووي المتبادل. وبعبارة أدق، من الممكن نظرياً افتراض أن أحد الطرفين سيقرر التراجع والتنازل، ولكن في ظل الظروف الراهنة، من المرجح جداً أن يؤدي ذلك إلى انفجار سياسي داخلي وسقوط الدولة المتنازلة ونخبتها الحاكمة وزعيمها الذي اتخذ القرار.
يدرك كل طرف من الأطراف أنه لا خيار أمامه، فلا يمكنه التنازل. لكنه لا يستطيع الجزم بأن الطرف الآخر يشعر بالسوء نفسه حيال موقفه. وهذا يعني أن لكل طرف سبباً للأمل في أن يتنازل الآخر. وهكذا، فإن الوضع مهيأ لتصعيد لا نهاية له، دون أي مجال لتقديم تنازلات من أي طرف من الأطراف. في ظل الظروف العالمية الراهنة، ستصطدم السيارتان المندفعتان بأقصى سرعة من المثال السابق كلٌّ منهما بالأخرى، ولن يتراجع أي من السائقين.
أي أن الصدام العسكري المباشر بين الولايات المتحدة وروسيا أو الصين، أو بين روسيا وفرنسا وبريطانيا، سيؤدي، باحتمالية تقارب 100%، إلى تبادل الضربات النووية.
ولذلك، فمن المرجح جداً أن تؤدي الحرب الدائرة في أوكرانيا، والصدام العسكري المحتمل بين الولايات المتحدة والصين (باستثناء حالة سأناقشها لاحقاً)، إلى تبادل نووي. ولعل هذا هو السبب في أن بوتين ليس في عجلة من أمره للقضاء على أوكرانيا.
من الممكن أن تقتصر الأطراف على الاستخدام المحلي للأسلحة النووية التكتيكية وتكتفي بذلك، ولكن لا يوجد أمل كبير في حدوث ذلك.
2- حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. حتى الآن، يبدو أن إيران هي الأقوى من حيث الاستعداد للتضحية، تليها إسرائيل، وتأتي الولايات المتحدة في ذيل القائمة بالترتيب التنازلي. للوهلة الأولى، تبدو الولايات المتحدة هي الحلقة الأضعف في هذا المثلث، وينبغي لإيران أن تستهدف في المقام الأول مصالح ترامب ومصالح الولايات المتحدة ككل. في هذا الصدد، فإن أولويات إيران المختارة (نفط وغاز الخليج، وإغلاق مضيق هرمز، وليس إسرائيل) صحيحة، إذا انطلقنا من هذا المنطق، ومن الأمل أن يغير ترامب رأيه أولاً.
ولكن، كلما زاد التصعيد، ازدادت التكلفة السياسية لأي تنازلات محتملة لترامب. وواقع الأمر أن ترامب كان ليسعده التنازل، كعادته، لكن منطق الظروف يطغى على منطق النوايا. على الأرجح، وفي ظل المستوى الحالي للحرب، فإن الانسحاب يعني نهاية سياسية لترامب، مع احتمال الملاحقة الجنائية وعواقب وخيمة على عائلته. وكلما ازداد التصعيد، وازداد تركيز العالم على الحرب في إيران، قلّ قبول ترامب للتنازلات. سيضخّم الديمقراطيون حتى أصغر تنازل ويصوّرونه خيانة وكارثة.
وهكذا، كلما طال أمد تفاقم الأوضاع في إيران بالنسبة له، قلّ احتمال تراجعه. لقد أوقع ترامب نفسه في هذا الفخ بهجومه الغادر، والآن لا مفرّ له، فهو مضطر للتصعيد. وفي الوقت نفسه، الوقت محدود لكلا الطرفين: ستة أشهر تقريباً.
بمعنى آخر، يعد الوضع بالنسبة للطرفين في الحرب مع إيران وجودياً. المخاطر في ذروتها، وسيقاتل كل من ترامب وإيران حتى النهاية، مستخدمين كل ما لديهم من أوراق. إما أن تخسر إيران في غضون ستة أشهر، أو سيلجأ ترامب إلى استخدام الأسلحة النووية إذا فشل في تحقيق النصر بوسائل أخرى خلال تلك الفترة. وربما قبل ذلك. بل قد يستخدم الأسلحة النووية من خلال إسرائيل.
بالطبع، هناك عنصران آخران في المعادلة: الصين والانهيار الاقتصادي العالمي.
أميل إلى اعتبار العنصر الأخير هو الأعظم، أو ربما الوحيد، لتجنب الحرب النووية. فبإمكان إيران أن تلحق ضرراً بالغاً بالاقتصاد العالمي بقطع إمدادات النفط والغاز من الخليج. آمل أن يحدث هذا سريعاً، وبشكل مفاجئ، وعلى نطاق واسع يفقد ترامب أي جدوى من انتصاره المحتمل على إيران، وبالتالي يحرمه من أي دافع لاستخدام الأسلحة النووية.
أما بالنسبة للصين، فهي أولاً لم تظهر بعد أي فهم لأهمية الحفاظ على إيران لتحقيق نصرها. وهي لا تزال تتلاعب بتقنياتها، وتأمل أن تسمح لها الولايات المتحدة بتحقيق نصر سلمي في المنافسة الاقتصادية. وثانياً، لطالما كان الصينيون تجاراً لا محاربين، وهو ما يميز عقليتهم. وفي منافسة الاستعداد للموت، لم يتجاوز الصينيون حتى مرحلة التصفيات التأهيلية.
يزداد ميلي للاعتقاد بأن الصين لن تبادر، على الأقل في الصراع حول إيران. وستكتفي بالرد حتى تجرّ إلى الحرب بطريقة أو بأخرى. بعبارة أخرى، لا ينبغي أن نتوقع من الصين حل المشكل.
لكن، وبطبيعة الحال، المفاجآت واردة. فالأزمة العالمية، والحرب العالمية، وكل الأحداث في العالم تتسارع وتيرتها، وتفاجئنا كل شهر بأمور لم نكن نتخيلها من قبل. ولربما تفاجئنا الصين، أو ترامب أو إيران، أو أي طرف آخر، أو كل الأطراف معا بما لا نعرفه أو نتخيله.
كل ما كتبته ليس إلا محاولة لفهم الوضع الراهن. ربما أكون متشائماً أكثر من اللازم وأبالغ في تقدير المخاطر، لذلك نصيحتي ألا تقلقوا كثيراً قبل الأوان.